تخوض جامعة محمد الأول بجهة الشرق اليوم غمار تحول هيكلي عميق يهدف إلى إعادة صياغة مشهد التعليم العالي والبحث العلمي، بعيداً عن التكدس الأكاديمي التقليدي الذي طبع لسنوات طويلة المؤسسات الجامعية الكبرى. وتأتي هذه الدينامية الجديدة استجابةً لضرورة ملحة تفرضها التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة، حيث لم يعد الهدف من المؤسسات الجامعية مجرد تلقين المعرفة النظرية، بل تحولت إلى رافعة حقيقية للتنمية الجهوية التي تضع الطالب في صلب اهتماماتها.
إن هذا التوجه الاستراتيجي للوزارة والجامعة يرمي بالأساس إلى تقريب الإدارة من الطلبة وتخفيف الأعباء المادية والاجتماعية عن الأسر، من خلال تمكين شباب جهة الشرق من متابعة مساراتهم الدراسية في مدنهم الأصلية، سواء في الناظور أو بركان أو تاوريرت، مما ينهي عهد “النزوح الجامعي” القسري نحو وجدة وما يرافقه من تكاليف باهظة للكراء والمصاريف المعيشية.
وبغية الرفع من جودة التأطير البيداغوجي، اعتمدت الجامعة سياسة الشطر الذكي للمؤسسات المكتظة، حيث تم تقسيم كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية إلى مؤسستين مستقلتين؛ هما كلية الاقتصاد والتدبير، وكلية العلوم القانونية والسياسية، كما شمل هذا التقسيم كلية الآداب والعلوم الإنسانية التي تفرعت عنها كلية للعلوم الإنسانية وأخرى للآداب واللغات والفنون، إلى جانب إحداث معهد متخصص لعلوم الرياضة بوجدة. إن هذا التفكيك المؤسساتي لا يهدف فقط إلى تحسين ظروف الاستقبال، بل يسعى إلى خلق بيئة أكاديمية أكثر تخصصاً ومرونة، تتيح للباحثين والطلبة التعمق في مجالات دقيقة تتماشى مع متطلبات سوق الشغل الحديث، بعيداً عن التخصصات الكلاسيكية التي باتت عاجزة عن استيعاب التغيرات المتسارعة في عالم المهن.
وفي سياق ربط التكوين بالديناميات الاقتصادية المجالية، تجسد التوسع الجامعي بإقليم الناظور قفزة نوعية، لا سيما مع إحداث كلية للعلوم الإنسانية والاجتماعية والمدرسة الوطنية للهندسة الميكانيكية والبحرية، وهي خطوة استشرافية تهدف إلى مواكبة التحولات الكبرى التي يفرزها ميناء الناظور غرب المتوسط. وبالمثل، لم تغب الخصوصيات الإقليمية عن هذا المخطط، حيث توجهت المؤسسات الجامعية ببركان نحو تعزيز تخصصات التغذية والتكنولوجيا، مما يمهد الطريق أمام كفاءات شابة قادرة على قيادة الصناعات الغذائية والزراعية بالمنطقة. إن هذه التوجهات تعكس رؤية طموحة تسعى إلى تحويل الجامعة من مجرد فضاء للتحصيل العلمي إلى قطب جاذب للاستثمار والابتكار، يربط جسور التواصل بين التكوين والنسيج الاقتصادي الجهوي.
إن هذا التحول في خريطة جامعة محمد الأول يمثل أكثر من مجرد قرار إداري؛ إنه مشروع مجتمعي متكامل يربط التخطيط بالواقع، ويجعل من الجامعة قاطرة حقيقية للتنمية. فمن خلال إرساء نظام جامعي أكثر قرباً وتخصصاً، تفتح الجامعة آفاقاً واعدة أمام أجيال المستقبل، حيث تصبح المعرفة أداة فعالة للتمكين المهني والاندماج الاقتصادي. إننا أمام رؤية مستقبلية تزاوج بين جودة التأطير ومتطلبات سوق الشغل، لتؤكد بذلك أن جامعة محمد الأول بجهة الشرق قد دخلت مرحلة جديدة من النضج المؤسساتي، الذي يتجاوز التخصصات التقليدية نحو آفاق أكثر رحابة وابتكاراً في مجالات البحث العلمي وتأهيل الكفاءات.
20 دقيقة: مشيور مولود
جامعة محمد الأول: هندسة أكاديمية جديدة لربط التكوين بآفاق التنمية الجهوية














