لم تكن الأحكام التي أصدرتها غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء في ملف “إسكوبار الصحراء” مجرد عقوبات زجرية ضد أفراد، بل كانت أشبه بـ”هزة ارتدادية” عنيفة أصابت هيكل حزب الأصالة والمعاصرة، ولا سيما في معاقله التاريخية بجهة الشرق. فبينما يغلق القضاء صفحة ابتدائية مفصلية، تفتح الساحة السياسية في وجدة والجهة الشرقية نقاشاً واسعاً حول مستقبل “الجرار” بعد رحيل “مهندسه” الأول عبد النبي بعيوي، الذي كان يعتبر لسنوات “الرجل القوي” والمحرك الأساسي للحزب في المنطقة.
وجدة والجهة الشرقية: أزمة “الهرم” المفقود
طوال سنوات، ارتبط اسم حزب الأصالة والمعاصرة في وجدة بعبد النبي بعيوي، الذي لم يكن مجرد رئيس لجهة الشرق فحسب، بل كان يشكل “مركز الثقل” التنظيمي والانتخابي للحزب. إن إدانة بعيوي بـ 12 سنة سجناً نافذاً، وما تلاها من أحكام طالت أسماء أخرى كانت تشكل توازنات الحزب في المنطقة (مثل فؤاد اليزيدي)، تضع “البام” أمام “فراغ قيادي” ومأزق وجودي.
يرى مراقبون أن الحزب في الجهة الشرقية يعيش اليوم حالة من “تفكك الكاريزما” التي كان يفرضها بعيوي. فالحزب الذي اعتمد لسنوات على نفوذ وتدبير “الهرم”، سيجد نفسه أمام تحدي إعادة البناء في غياب هذه القيادة، ما يفتح الباب أمام احتمالين: إما تراجع شعبي وتنظيمي حاد، أو بروز قيادات جديدة تحاول القطع مع الممارسات السابقة وإعادة هيكلة البيت الداخلي.
تطرح التساؤلات نفسها بقوة حول تزامن هذه الأحكام مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية البرلمانية، بعد نحو عامين ونصف من التحقيقات والمحاكمات. يتساءل المتتبعون: هل هي مجرد صدفة قضائية، أم أنها رسائل سياسية في وقت حساس؟
من وجهة نظر قانونية وحقوقية، يؤكد المختصون أن مسار المحاكمة استوفى الشروط القانونية، وأن الأحكام جاءت نتيجة قناعة المحكمة بناءً على ملفات دقيقة، بعيداً عن أي إملاءات ظرفية. لكن على المستوى السياسي، لا يمكن فصل القضاء عن السياق؛ فإدانة أسماء بهذا الحجم قبل استحقاقات انتخابية ستؤثر بلا شك على “موازين القوى”.
إن صدور هذه الأحكام الآن قد يقرأه البعض كـ”تنظيف للمشهد السياسي” قبل الانتخابات، بينما يرى آخرون أنها ضربة قوية لمصداقية الأحزاب التي كانت تعتمد على “أعيان” في حسم المقاعد. ومهما كانت القراءة، فإن هذه الأحكام تفرض على المشهد الحزبي في وجدة إعادة تقييم استراتيجيات التحالفات والترشيحات، حيث لم يعد “المال الانتخابي” أو “النفوذ الفردي” ضمانة للنجاح، بل أصبح عبئاً قد يؤدي إلى الانتحار السياسي.
إن الأثر الفعلي لهذه الأحكام لن يتضح إلا مع اقتراب موعد الانتخابات المقبلة. فبينما يحاول حزب الأصالة والمعاصرة مركزياً النأي بنفسه عن هذه الملفات وتقديم خطاب “التطهير”، يظل الحزب في جهة الشرق مطالباً بتقديم “إجابات” لقواعده الانتخابية.
السؤال الكبير الذي يطرحه الشارع الوجدي اليوم هو: هل سيتمكن “البام” من تجاوز “عقدة بعيوي” والتحول من حزب “الأعيان والرموز” إلى حزب “البرامج والمؤسسات”؟ أم أن هذه الأحكام ستكون بداية لتقهقر سياسي طويل قد يغير خريطة القوى في مدينة وجدة التي لطالما كانت عصية على الفهم السياسي التقليدي.
يبقى ملف “إسكوبار الصحراء” بمثابة “فرصة للقطيعة” مع ممارسات الماضي، لكن نجاح هذا التوجه مرهون بمدى قدرة الأحزاب، وعلى رأسها حزب الأصالة والمعاصرة، على التخلص من تركة “الرموز” التي أسقطتها العدالة، والانفتاح على نخب جديدة تعيد للعمل السياسي في الجهة الشرقية نبضه الطبيعي البعيد عن الحسابات الجنائية.
20 دقيقة: مولود مشيور













