لم تعد قضية مغاربة العالم، بالنسبة إلى عمر كعواشي، تحتمل أن تبقى حبيسة الخطابات والمناسبات، فرئيس جمعية “عالم المغاربة” يعيد فتح واحد من أكثر الملفات ارتباطا بعلاقة ملايين المغاربة المقيمين بالخارج بوطنهم، واضعا أمام الحكومة سؤالا مباشرا: ماذا تحقق فعليا من التوجيهات الملكية ومن المقتضيات الدستورية التي أقرت لمغاربة العالم حقهم في المواطنة والمشاركة؟.
ويستند كعواشي في موقفه إلى الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى التاسعة والأربعين للمسيرة الخضراء، حين دعا الملك إلى إعادة هيكلة الإطار المؤسساتي الموجه لمغاربة العالم، على أساس مؤسستين؛ مجلس الجالية المغربية بالخارج، باعتباره مؤسسة دستورية مستقلة وإطارا للتفكير والاقتراح، و”المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج”، التي حدد لها الخطاب دور الذراع التنفيذي للسياسة العمومية. من هذه النقطة تحديدا ينطلق كعواشي في انتقاده لما يعتبره بطئا في تنزيل هذه الرؤية على أرض الواقع فبالنسبة إليه، لم يعد كافيا أن يقال لمغاربة العالم إن قضاياهم تحظى بالأهمية، بينما تظل الآليات المؤسساتية التي يفترض أن تؤطر علاقتهم بالدولة ومشاركتهم في الحياة الوطنية موضوع انتظار. لكن الرجل لا يحصر القضية في إحداث مؤسسة جديدة أو إعادة ترتيب المؤسسات القائمة ما يريده، كما يطرحه، هو إعادة تعريف موقع المغربي المقيم بالخارج داخل الدولة المغربية نفسها. فالجالية، في تصوره، لا ينبغي أن تختزل في التحويلات المالية التي ترسلها إلى المغرب، ولا في الملايين التي تضخها في الاقتصاد الوطني، ولا في عودتها الموسمية خلال فصل الصيف.
وراء هذه الأرقام مواطنون لهم كفاءات وتجارب وحضور في مجتمعات مختلفة، ويريدون، بحسب كعواشي، أن يتحول هذا الرصيد البشري إلى مشاركة فعلية في الشأن العام؛ ويضع رئيس جمعية “عالم المغاربة” التمثيلية السياسية في قلب هذا النقاش. فالدستور المغربي ينص في فصله السابع عشر على تمتع المغاربة المقيمين بالخارج بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح، كما ينص الفصل الثامن عشر على عمل السلطات العمومية على ضمان أوسع مشاركة ممكنة لهم في المؤسسات الاستشارية وهيئات الحكامة.
ومن هنا تأتي دعوة كعواشي إلى تمكين مغاربة العالم من حضور حقيقي داخل البرلمان، عبر تمثيلية تتيح لأبناء الجالية نقل قضاياهم وانشغالاتهم مباشرة إلى المؤسسة التشريعية وهو مطلب يتجاوز، في منطقه، مجرد الحصول على مقاعد إضافية، ليطرح سؤالا أوسع حول الكيفية التي يمكن بها تحويل الاعتراف الدستوري بالمواطنة الكاملة إلى ممارسة سياسية ملموسة.
ويضاف إلى ذلك مطلب إحداث حقيبة وزارية مستقلة تعنى بمغاربة العالم، تكون قادرة، وفق تصور الجمعية، على تنسيق الملفات المتعددة التي تهم الجالية والترافع عن مصالحها أمام مختلف القطاعات والمؤسسات. فالمشاكل التي يواجهها المغاربة في بلدان الإقامة، من الإدارة والاستثمار والتعليم والشؤون الاجتماعية إلى القضايا القانونية والقنصلية، لا يمكن، في نظر كعواشي، أن تظل موزعة بين عدد من المتدخلين دون رؤية موحدة تجمعها، غير أن أكثر المطالب التي تمنح هذا النقاش بعدا جديدا تتعلق بالانتخابات، فالمتحدث يدعو إلى تجاوز التصويت بالوكالة، وفتح نقاش جدي حول إمكان اعتماد وسائل رقمية تسمح للمغاربة المقيمين بالخارج بالتصويت المباشر من بلدان إقامتهم.
الفكرة التي يطرحها بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل أسئلة تقنية وقانونية وسياسية كبيرة: إذا كانت الرقمنة أصبحت جزءا من الحياة اليومية، وإذا باتت المعاملات البنكية والإدارية والمالية تنجز عن بعد، فلماذا لا يتم التفكير في حلول تكنولوجية آمنة تمكن المواطن المغربي المقيم بالخارج من ممارسة حقه الانتخابي دون الحاجة إلى اللجوء إلى الوكالة؟. ولا يقدم كعواشي هذا الطرح باعتباره مجرد مطلب تقني، بل يربطه بمفهوم المواطنة فالمغربي الذي يعيش خارج الحدود، بحسب هذا التصور، لا يفقد حقه في المشاركة في الشأن الوطني بسبب مكان إقامته، بل إن تطوير وسائل التصويت يمكن أن يكون، في حال استيفائه للضمانات القانونية والتقنية اللازمة، إحدى الوسائل لردم المسافة بين المواطن ومؤسسات بلده.
ويستحضر أصحاب هذا الطرح أيضا تجربة مغاربة العالم في الدفاع عن القضايا الوطنية فالجالية، كما تقول الجمعية، لم تكن يوما بعيدة عن المغرب، بل ظلت حاضرة في الدفاع عن مصالحه وقضاياه، وفي مقدمتها قضية الوحدة الترابية، إلى جانب مساهمتها الاقتصادية والاجتماعية. لذلك يرى كعواشي أن العلاقة معها يجب ألا تقف عند حدود الاستفادة من تحويلاتها، بل ينبغي أن تمتد إلى إشراكها في صناعة القرار والاستفادة من خبراتها وكفاءاتها، وهنا يلتقي مطلب التمثيلية السياسية مع مطلب تفعيل “المؤسسة المحمدية”.فالخطاب الملكي لسنة 2024 حدد لهذه المؤسسة المرتقبة وظيفة تنفيذية في مجال السياسة العمومية الخاصة بمغاربة العالم، بما في ذلك تجميع الصلاحيات المتفرقة وتنسيق الاستراتيجية الوطنية وتعبئة الكفاءات المغربية المقيمة بالخارج.
بالنسبة إلى عمر كعواشي، المطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ فالجالية، في نظره، لا تحتاج إلى مزيد من الخطابات التي تؤكد أهميتها بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات وآليات تمنحها موقعا واضحا داخل الحياة الوطنية. وهو بذلك يضع أمام الحكومة مجموعة من المطالب المترابطة: تسريع تنزيل المؤسسة المحمدية، إعادة ترتيب التمثيلية المؤسساتية لمغاربة العالم، تمكينهم من حضور برلماني حقيقي، التفكير في حقيبة وزارية مستقلة لشؤونهم، وتحديث آليات مشاركتهم الانتخابية بما ينسجم مع التحول الرقمي.
إنها، معركة حول معنى الانتماء في زمن لم تعد فيه الحدود الجغرافية قادرة وحدها على تحديد علاقة المواطن بوطنه، وعمر كعواشي يريد أن يدفع بهذا النقاش إلى الأمام، من خلال المطالبة بأن يتحول الاعتراف بمغاربة العالم من خطاب سياسي ودستوري إلى مشاركة ملموسة: مواطن يصوت، يترشح، يساهم في التشريع، ويشارك في رسم السياسات التي تعنيه، سواء كان يعيش في الرباط أو باريس أو بروكسيل أو مدريد.
20 دقيقة: مشيور مولود














