احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الأول بوجدة، اليوم الثلاثاء، حفل تقديم وتوقيع المؤلف الجديد للمحامية والبرلمانية السابقة سليمة فرجي، بعنوان «وجدة وأنا: شظايا ذاكرة جريحة بين الظل، النور والصمود» ، وذلك في إطار الفعاليات الموازية للمهرجان المغاربي للفيلم بوجدة. وعرف اللقاء، الذي نشطه الأستاذ بنيونس بوشعيب، مداخلتين لكل من الطبيبة والروائية انتصار حدية والكاتب أحمد طنطاوي، إلى جانب شهادة صاحبة المؤلف، بحضور عدد من الوجوه الأكاديمية والثقافية والجمعوية والإعلامية.
لم يكن اللقاء مجرد تقديم لكتاب جديد، بل تحول إلى رحلة في ذاكرة مدينة عريقة، تختلط فيها حكايات الطفولة بوقائع التاريخ، ودفء الانتماء بألم الفقد، والحنين إلى الماضي بالتطلع إلى المستقبل.

فمن خلال صفحات المؤلف، تعود سليمة فرجي إلى وجدة التي احتضنت مقاومين جزائريين خلال حرب التحرير، واستقبلت عائلات وأفرادا ارتبطوا بتاريخها، لكنها تستحضر أيضا الجرح الذي خلفه طرد آلاف المغاربة من الجزائر سنة 1975، في واقعة ما زالت حاضرة في الذاكرة الإنسانية للعائلات التي عايشتها.
في مستهل اللقاء، قدمت الدكتورة والروائية انتصار حدية شهادة أدبية وإنسانية حول مؤلف رفيقة دربها، متوقفة عند دلالة عنوانه «وجدة وأنا»، الذي يلخص علاقة وجدانية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى ارتباط عميق بين الكاتبة ومدينتها. فسليمة فرجي، التي راكمت تجربة مهنية في المحاماة ومسارا سياسيا وبرلمانيا، اختارت أن تروي وجدة من داخل تجربتها الخاصة، مستحضرة تفاصيل عاشتها وشخصيات عرفتها ومحطات بقيت راسخة في وجدانها. وتوقفت حدية عند المفارقة التي يحملها العنوان الفرعي للكتاب، من خلال الجمع بين الذاكرة الجريحة والإشراق والصمود، فكيف يمكن لذاكرة مثقلة بالجراح أن تظل قادرة على بث النور؟. وجدت المتحدثة الجواب في قدرة المدن، مثل البشر، على تحمل المحن والاحتفاظ بندوبها دون أن تفقد قدرتها على النهوض والتجد.د وقرأت الروائية محتوى المؤلف من خلال ثلاث صور متداخلة لوجدة الأولى مدينة الذاكرة، بأزقتها العتيقة وأبوابها التاريخية وحديقة للا عائشة، وما تختزنه من تقاليد اجتماعية وفنون أصيلة، وفي مقدمتها الطرب الغرناطي والثانية مدينة الجراح، بما عاشته من تحولات تاريخية وسياسية، وما خلفته الحدود من انقطاع في العلاقات الأسرية والاجتماعية.

أما الصورة الثالثة، فهي وجدة المستقبل، التي تتطلع إلى التنمية من خلال مشاريعها وبنياتها التحتية وصروحها الجامعية، بما يؤكد أن الكتاب لا يستسلم لحنين جامد إلى الماضي، بل ينفتح على مدينة تواصل بناء حاضرها ومستقبلها.
وأكدت حدية أن المدن لا تستمد قيمتها من معالمها وحدها، بل من أرواح أبنائها وبناتها وإسهاماتهم في الحياة الثقافية والاجتماعية. واستحضرت أسماء شخصيات بصمت تاريخ الجهة الشرقية، من بينها عبد العزيز الفاسي، ومحمد علال سي ناصر، وزبيدة ناصيري، والعربي المرابط، وغيرهم من رموز العطاء. كما أشارت إلى مساهمتها في الكتاب بنص يتناول تحولات المشهد الموسيقي الوجدي، معتبرة أن توثيق الذاكرة مسؤولية مشتركة تتجاوز حدود التخصصات والمواقع.
ومن جانبه، قدم الكاتب أحمد طنطاوي قراءة في المؤلف الجديد، توقف خلالها عند مضامينه ومحتواه، منوها بما يختزنه من تفاصيل وشواهد تسهم في استعادة ذاكرة وجدة وإبراز جوانب من تاريخها وخصوصيتها الثقافية والإنسانية. وشكلت مداخلته إضافة إلى اللقاء، من خلال تسليط الضوء على القيمة التوثيقية للكتاب، وما يتيحه من قراءة في علاقة الكاتبة بمدينتها، والتداخل بين الذاكرة الشخصية والتاريخ الجماعي.
وبعد هذه القراءات، انتقل اللقاء إلى صاحبة المؤلف، التي أوضحت أن اختيارها الكتابة باللغة الفرنسية لم يكن مفاضلة بينها وبين العربية، رغم مسارها المهني في المحاماة، حيث اعتادت الترافع وصياغة المذكرات القانونية بلغة الضاد. وأكدت أن الأمر يرتبط برغبتها في إيصال ذاكرة وجدة إلى جمهور أوسع، ولا سيما أفراد الجالية المغربية، والفرنسيين والجزائريين واليهود الذين عاشوا في المدينة، أو ارتبطت عائلاتهم بتاريخها. فالمدينة، كما أوضحت فرجي، لم تكن مجرد فضاء جغرافي، بل ملتقى لتجارب إنسانية وثقافية متعددة ساهمت في تشكيل هويتها ومن ثم، جاء اختيار الفرنسية وسيلة لإيصال الحكاية إلى قراء من خلفيات مختلفة، وليس تخليا عن العربية أو انتقاصا من مكانتها. وأكدت أن وجدة سكنتها منذ طفولتها، وأن الكتاب ولد في وجدانها قبل أن يتحول إلى كلمات على الورق، في محاولة لاستعادة تفاصيل قد يحملها الأشخاص معهم إلى الغياب إن لم تجد من يوثقها.
واحتل مفهوم «الذاكرة الجريحة» حيزا أساسيا من حديث الكاتبة، التي استحضرت تاريخ التضامن المغربي مع الثورة الجزائرية خلال حرب التحرير، الممتدة من سنة 1954 إلى سنة 1962. وتوقفت عند ما قدمته وجدة وسكانها من دعم للمقاومين الجزائريين، حين فتحت بيوتها لاستقبال قادة الثورة والمجاهدين، وتقاسمت معهم الإمكانات في مرحلة كانت فيها مقاومة الاستعمار أولوية مشتركة. واستحضرت فرجي ما تعرضت له بعض أحياء مدينة وجدة، ومنها “زنقة الدار البيضاء”، من قصف استعماري فرنسي بسبب احتضانها للمجاهدين. وهي صفحة تعكس، وفق ما أرادت الكاتبة توثيقه، عمق الروابط الإنسانية التي جمعت المغاربة والجزائريين خلال النضال ضد الاستعمار، وتضحيات سكان وجدة في سبيل دعم قضية التحرير. لكن هذه الذاكرة المضيئة تحمل، في المقابل، جرحا عميقا يعود إلى سنة 1975، حين أقدمت السلطات الجزائرية على طرد آلاف الأسر المغربية وتجريدها من ممتلكاتها، في مأساة تزامنت مع صبيحة عيد الأضحى.

ولم تكن الواقعة مجرد انتقال قسري لأشخاص من بلد إلى آخر، بل تجربة إنسانية قاسية أصابت عائلات في استقرارها وكرامتها، وقطعت صلات اجتماعية وأسرية تشكلت عبر سنوات طويلة. وتزداد حساسية هذه المحطة حين توضع في سياق العلاقات التاريخية بين الشعبين، وما يجمعهما من روابط الجوار والدم والنسب والمصاهرة، فضلا عن ذاكرة التضامن التي احتضنت خلالها وجدة مقاومين جزائريين. ومن هنا، تستعيد الكاتبة هذه الوقائع باعتبارها جزءا من تاريخ لا يمكن تجاهله، ولا يجوز اختزاله في الشعارات أو طي صفحته دون توثيق. وأوضحت فرجي أن كتابها يستند إلى شهادات حية لأطباء وممرضات وعائلات استقبلت المطرودين أو عاينت معاناتهم عن قرب.
وتكتسب هذه الشهادات أهميتها من قدرتها على نقل التجربة الإنسانية للضحايا، وإبراز ما خلفته المأساة من آلام اجتماعية ونفسية، بعيدا عن اختزالها في الأرقام أو الإشارات العابرة. وشددت الكاتبة على أن استحضار هذه الوقائع لا يرمي إلى تغذية الكراهية أو إدامة الخصومة بين الشعبين، بل إلى توثيق الحقيقة وإنصاف الذاكرة. كما ربطت ذلك بقيمة الصمود والمقاومة، وبضرورة تجاوز الأحقاد وفتح آفاق جديدة للتقارب، مستحضرة توجهات المملكة المغربية ومواقف الملك محمد السادس الداعية إلى حسن الجوار وتجاوز الخلافات، بما في ذلك الدعوة إلى فتح الحدود بين البلدين.
ومن صفحات التاريخ السياسي إلى تفاصيل الحياة اليومية، استحضرت فرجي المثل الشعبي الذي يلخص علاقة الناس بالمدينة: «اللي يدخل لوجدة يبكي، واللي يخرج منها يبكي» فكم من مسؤول أو رجل قضاء وصل إليها متوجسا، معتقدا أنه سيجد نفسه في مدينة بعيدة ومعزولة، قبل أن يكتشف دفء أهلها وخصوصية أجوائها، فيغادرها مثقلا بالحنين، بل إن بعض الذين عملوا فيها اختاروا الاستقرار بها بعد التقاعد. وفي هذه الحكاية تختصر الكاتبة جانبا من سحر وجدة، حيث لا تقاس قيمة المكان بموقعه الجغرافي وحده، بل بما يمنحه للإنسان من طمأنينة وعلاقات وذكريات. كما توقفت عند الروحانية التي تميز المدينة العتيقة ومساجدها، مستحضرة جهود الباحثين المتخصصين، ومن بينهم الأستاذ علي الخروبي، في توثيق هذا الموروث المعماري والديني.
وامتدت الرحلة إلى التراث اللامادي، من البلوزة الوجدية والحايك إلى فنون الطبخ، ومن الطرب الغرناطي إلى الراي، باعتبارها تعبيرات عن هوية ثقافية تشكلت عبر روافد متعددة. واستحضرت فرجي أغنية الشيخ أحمد وهبي «عروسة الصحرا»، بما تحمله من صور وجدانية وحنين إلى المكان، في إشارة إلى حضور الموسيقى في الذاكرة الشعبية وقدرتها على اختزال علاقة الإنسان بمدينته في لحن وكلمات
ولم تخل شهادة الكاتبة من الحسرة على معالم غابت أو تعرضت للتغيير، بعدما كانت جزءا من الذاكرة البصرية والاجتماعية لمدينة وجدة وتحدثت عن قاعات السينما التي طالها الهدم، وفي مقدمتها سينما «لو باري» ، مستحضرة، بالتعاون مع الفاعل الثقافي والسينمائي خالد سلي، أهمية هذه الفضاءات التي لم تكن مجرد أماكن لعرض الأفلام، بل محطات من الحياة الثقافية والاجتماعية لأجيال متعاقبة. كما توقفت عند محطة القطار التاريخية التي يعود تاريخها إلى سنة 1913، وما ارتبط بها من ذكريات السفر واللقاء والوداع، فضلا عن دورها في حياة المرضى الذين كانوا يتوجهون إلى مستشفيات الرباط والدار البيضاء في مراحل سابقة.
ومن هنا، جددت فرجي دعوتها إلى إحداث متحف جهوي متكامل بوجدة، يكون فضاء لحفظ الذاكرة المادية واللامادية، ويجمع الوثائق والصور والشهادات والمقتنيات التي تحكي تاريخ المدينة وسكانها
فالمتحف، وفق هذا التصور، ليس مجرد مكان لعرض الأشياء القديمة، بل مؤسسة تحفظ الصلة بين الأجيال، وتمنح الشباب فرصة لاكتشاف ماضي مدينتهم، والتعرف على الشخصيات التي أسهمت في بناء هويتها. وفي السياق ذاته، استحضرت الكاتبة كفاءة أبناء الجهة الشرقية وإسهاماتهم في خدمة الوطن، مشيرة إلى ما عبر عنه مستشار الملك الراحل، الأستاذ عبد العزيز مزيان بلفقيه، من تقدير لمثابرتهم وقدرتهم على العطاء وإثبات الجدارة
وفي ختام اللقاء، تقاطعت رسالة المؤلف مع روح المهرجان المغاربي للفيلم، في تأكيد على الصلة العميقة بين الكتابة والصورة السينمائية فكلاهما قادر على إعادة الحياة إلى وجوه غابت، وأماكن تغيرت، وحكايات ظلت حبيسة ذاكرة أصحابها. فالمدن لا تتكون من الحجر والشوارع الصامتة وحدها، بل من الناس وأصواتهم وانكساراتهم وأشواقهم، ومن التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة في لحظتها، لكنها تصبح مع مرور الزمن جزءا من هوية المكان. والكتاب والفيلم، في هذا المعنى، يشتركان في مقاومة النسيان وإعادة الاعتبار إلى ما يستحق أن يبقى حاضرا في الوعي الجماعي.
وبين شهادة انتصار حدية الوجدانية، وقراءة أحمد طنطاوي لمضامين المؤلف، واستعادة سليمة فرجي لمحطات من تاريخ وجدة وتراثها وجراحها، بدا الكتاب محاولة لجمع شظايا ذاكرة متعددة الأصوات. ذاكرة تحتفظ بصفحات التضامن والمقاومة، ولا تتنكر في الوقت نفسه لما حمله التاريخ من مآس وانكسارات. إن «وجدة وأنا» ليس مجرد حنين إلى مدينة كانت وانتهت، بل شهادة وفاء لمدينة ما زالت تنبض بالحياة، ودعوة إلى توثيق تاريخها بكل ما يحمله من إشراق وجراح. فاستحضار الماضي لا يعني الارتهان له، كما أن حفظ الذاكرة لا يتعارض مع التطلع إلى المصالحة والأمل. وبين الوفاء للحقيقة والإيمان بالمستقبل، تواصل وجدة كتابة حكايتها، مدينة تعرف كيف تصون ذاكرتها، وتحتضن جراحها دون أن تستسلم لها.
20 دقيقة : مشيور مولود













