الميركادو السياسي

29 أغسطس 2021
الميركادو السياسي

انطلقت الحملة الانتخابية بالمغرب على إيقاع التغيير ومحاربة الفساد، بخطاب كان معهودا لدى جميع الأحزاب منذ أمد بعيد، رغم أنها -بعد النتائج- لا تسارع غالبا إلى التغيير، وإنما إلى تبادل الاتهامات فيما بينها، ليرغمها بعد ذلك منطق التحالف على الهدنة والتآخي والتعايش من أجل تشكيل الأغلبية في الحكومة، وكذا تشكيل الجبهة المعارضة، لتنطلق الجبهتان في سلسلة المطارحات و الملاسنات التي تذكرنا بسوق عكاظ، وما شابهه من تجمعات العرب، عندما كان للشعر سلطة قوية في رفع شأن الناس وخفضهم، ما جعل المستوى التواصلي للأحزاب فيما بينها يتردى إلى حد غير مقبول، ما قوبل في بعض الأحيان بتدخل توجيهات ملكية داعية إلى تجويد الخطاب السياسي.


والمتأمل في منطق الأحزاب المغربية في هذه الفترة، يجد حركة تبادل مكثفة للمرشحين، شبيهة بآنتقالات لاعبي كرة القدم في أشهر الدوريات العالمية، من أجل رص الصفوف والبحث عن موارد بشرية تحقق النتائج المرجوة في هذا الديربي السياسي الموعود، ما يفسح التساؤل عن مدى قوة الأحزاب في صناعة النخب السياسية، ذلك أن الحزب السياسي في أبسط تعريفاته، يوسم بكونه تجمعا لمجموعة من الأفراد بسبب آشتراكهم في أفكار معينة، وهي ما يصطلح عليه إيديولوجيا الحزب، أي الإطار الفكري الذي من خلاله يشق الحزب فعله السياسي، إلا أن آستقطابات الأحزاب للأفراد من مختلف الاتجهات الرياضية والفنية والاجتماعية والفكرية، يؤشر على آستثمار الأحزاب السياسية للوزن الفكري والبعد الفني والرصيد الأخلاقي الذي تتمتع به شخصيات معينة، من أجل آستمالة الناخب والفوز بآختياره، وهنا ينبري سؤال مهم، من الذي يصنع الآخر، الفرد أم الحزب؟. إن الحزب السياسي بحكم التراتبية التي تحكم المنتمين إليه، يشبه المنبت الذي يرعى نباتا حتى يشتد سوقه، فالزعيم السياسي هو في حقيقة الأمر، فرد تشبع بأفكار الحزب الذي آحتضنه و تدرج في فئاته العمرية، من البراعم إلى الشبيبة وصولا إلى قمة القيادة، لكن واقع الأحزاب يشهد بأنها تتوسل شخصيات خارج إطارها الحزبي، ما يجعلها من زاوية خفية ضعيفة أمام الفرد، تستجدي وجوده وتستثمر وزنه، وهنا تصير المؤسسة الحزبية مستقوية بالذات الفردية التي لم تخضع لتأطيرها، ما يشهد على ضعف مؤسساتي لدى الأحزاب، حيث تتراجع اللحمة الإيديولوجية بين مكوناتها البشرية، وهذا ما تحدثنا به دوما ظاهرة الترحال السياسي، التي تعلن بكل وضوح، غياب الولاء الفكري للحزب، ما يضع سؤالا آخر أكثر أهمية، إذا كانت الأحزاب تستورد شخصيات لتعزز حضورها في الاستحقاقات الحزبية، كيف ستنجح في تأطير المنتمين إليها من داخل الحزب أو التأثير في الحياة السياسية عموما؟، إن سياسة التلقيح بمحلول الكفاءات في جسم الأحزاب، تطعيما لمناعتها أمام خطر الفشل الانتخابي، يقوي نظرية موت الإيديولوجيا، لتبقى الروابط العائلية والقرابية، والعلاقات الاجتماعية وتبادل المصالح، المنطق السائد في التجمع البشري المشكل لبعض الأحزاب السياسية، التي لا تتوانى في ترصد موسم الانتقالات الصيفية من أجل الظفر بلاعبين حاسمين في السباق نحو الظفر بالأصوات.
طارق مرحوم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق