يعتبر بيت الزوجية المؤسسة الأولى في المجتمع، وهو أساس العلاقات الاجتماعية والمخرج الأهم لأفراد أسوياء معتدلين نفسياً، ولا يستقيم إلاّ بوجود أهم ركيزتين تربويتين الأب والأم، فبدونهما يصبح المنزل بلا روح ولا هوية واضحة، فهما الموجهان الأول، وهما من يجتهد بهدف توفير بيئة سوية لأبنائهما، لكن نجد أحياناً العاطفة تتغلب على الزوجين، فيتناسيان مهمتهما الأولى وهي تربية الابناء، ليزداد اختلاف وجهات النظر، الأمر الذي يؤثر على أفراد الأسرة، مما يؤدي إلى تشويه الصورة الذهنية لدى الابن أو الابنة عن فكرة الزواج والاستقرار، وقد يؤثر سلباً بخلق أطفال متشاحنين مضطربين. فالآباء والأمهات عليهم مسؤولية الابتعاد عن الأنانية والتفكير إيجاباً في مصلحة الأبناء.

ظروف ومواقف يعيشها الزوجان تحت سقف واحد، إلاّ أنه لابد من بقائها محبوسة بين أسوار غرفتهما، وألاّ تتعداهما لتصل إلى الأبناء في مرحلة نموهم وحاجتهم الماسة للاستقرار والحنان.
ويجهل الكثير من الآباء والأمهات المسؤولية التي تقع على عاتقهما، مما يجعلهما في دوامة من الصراع والأنانية التي لا تنتهي إلاّ بكارثة نفسية أو معنوية، الأمر الذي يتطلب إدراكهما ذلك، فمن خلال الأسرة يحيا مجتمع كامل، فإن نجحت أنتجت أفرادا واعين والعكس صحيح.
إن وجود المشاكل الأسرية يؤثر نفسياً على الأبناء من خلال التوتر والقلق الدائم وعدم الشعور بالطمأنينة، بل وعدم الشعور بالأمان، مما يؤثر عليهم سلوكياً، فتظهر بعضها كالأحلام المزعجة أو إهمال الدراسة أو الانطواء والعزلة أو العدوانية، أو تفريغ هذا الغضب على الآخرين.

ولهذا كله يوصي خبراء علم النفس والاجتماع، بضرورة إبعاد الطفل عن اي مشاكل تحدث بين الوالدين ’ لما لذلك من أضرار كبيرة تقع على الطفل. فالطفل في سن صغيرة يجد نفسه غارقاً في مشاكل بين طرفين يحبهما، ما يسبب له عدم توازن. وفيما يلي بعض أضرار تحدث للطفل عند إقحامه في النزاع بين الوالدين..
1- تهديد أمن الطفل
عندما يقع الطفل بين مشاكل والدين متنازعين، فإنه يشعر بعدم الأمان نتيجة عدم الشعور بوجود شخص بالغ مسؤول، ما يولّد لديه شعوراً بالضغط بسبب اضطراره لإدارة شؤون حياته بنفسه نتيجة غياب دور القيادة الذي يمثّله الوالدان في العلاقة الصحية.
2- تحميل الطفل عبئاً أكثر مما يجب عليه تحمّله
عندما يُقحَم الطفل في مشاكل الوالدين، فإنه يضطر للاستماع لشكوى أحد الوالدين أو كلاهما، ما يولّد داخله شعوراً بالضغط نتيجة لمواجهته مشكلة أكبر من تحمّله، كما أن الطفل يتعلّم كتمان مشاكله ومشاعره حتى لا يسبب المزيد من الأعباء على الوالدين المحمّلين بالمشاكل بالفعل، ما يحمّل الطفل أعباء أكبر مما يجب أن يتحمّلها في هذه السن المبكرة.
3- خلق شعور بالعجز داخل الطفل
عندما يطّلع الطفل على نظرة أحد الوالدين إلى نفسه كضحية، فإنه يتعلم أنه سوف يصبح عاجزاً عن الحياة إن لم يكن شريراً، ولكن عندما يتعامل الابوان بحكمة مع وضعهما ويظهران الاحترام المتبادل، فإن الطفل يتعلم المرونة.
4- تشجيع الطفل على العدوان السلبي والتلاعب
إذا استخدم أحد الوالدين الطفل للحصول على ما يريده من الطرف الآخر، فإن الطفل يتعلم أن العدوان السلبي والتلاعب هما الوسيلة المثالية للتعامل مع الصعوبات التي قد يواجهها في العلاقات، أما التواصل المباشر والمحترم، حتى إن كان صعباً، فإنه يعلم الطفل مهارات التواصل الصحية.
كما ان للاختلافات والصراع بين الزوجين امام اعين الابناء نتائج سلبية نجملها في ما يلي:

- اختلال عملية الانضباط:
عندما يحصل النزاع بين الزوجين فإنه يؤثر على انضباط الأطفال وعدم اكتراثهم بأوامر الوالدين، وثمة خطر آخر يهدد الأسرة أيضاً ألا وهو انقسامها إلى معسكرين أو صفين، حيث سيتبنى كل طفل موقفاً معيناً فيكون إمّا بجانب أمه أو أبيه، وهذا ليس في صالح الطرفين.
- إساءة الظن بالوالدين:
قد يكون أحد الزوجين محقاً في النزاع ولديه أدلة قوية وكثيرة، إلاّ أن الطفل يحمل تصوراً مختلفاً عن هذا الموضوع، فيدين مثلاً طرفاً معيناً، أو قد يلجأ الأب إلى الإساءة للأم ويحاول اقناع الطفل بأنه على حق، لكن هذا لا يعني أن الصغير سيقبل بذلك رغم سكوته الظاهري، بل سيعد الأب مذنباً، فيسيء الظن به بمجرد أن يشاهد بكاء والدته وتوددها إليه.
- توقف عملية النمو:
أشارت بعض الدراسات في المجتمعات الغربية أن نزاع الوالدين في محيط الأسرة يؤدي إلى توقف عملية نمو الطفل وظهور مشاكل جدية في هذا المجال، وقد تقل شهية الطفل للطعام أو يحصل تباطؤ في علمية الهضم بسبب حدوث خلل في إفرازات بعض الغدد، وهذا كله بسبب شعور الطفل بالهم والحزن، حيث يؤدي نزاع الوالدين أيضاً في حال مرض الطفل إلى تباطؤ علمية شفائه واستعادته لصحته وسلامته، أو قد يؤدي إلى مضاعفة المرض بسبب ازدياد حزنه.
- السلوك الاجتماعي المنحرف:
يؤدي نزاع الوالدين وعدم توافقهما، بل وحتى سلوكهما غير المتزن وكلامهما غير المنسجم، إلى تمهيد الأجواء لأن يسلك الطفل سلوكاً اجتماعياً منحرفاً، فيلجأ إلى الجريمة مثلاً!، فالحجم الذي يؤججه بعض الآباء لأولادهم في الأسرة يكون سبباً للعديد من حالات الاضطراب التي تؤثر بشدة على حياة الأفراد الحالية والمستقبلية، ولدينا نماذج كثيرة لجأ فيها الأولاد إلى الفساد والانحراف والإجرام.
- تحطيم المعنويات:
يؤدي النزاع إلى تحطيم معنويات الأبناء، بل ويجذّر في نفوسهم حالات القلق والاضطراب.














