جاء خطاب جلالة الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش لهذه السنة محملا برسائل استراتيجية تعكس وعي دقيق بتحديات المرحلة، سواء في الداخل أو في الخارج، وذلك من خلال مقاربة شمولية تمزج بين البعد الحقوقي، والبعد السياسي، في تصور واضح المعالم لمغرب ما بعد ربع قرن من الحكم.
الخطاب لم يكن استعراض لإنجازات بقدر ما كان بوصلة سياسية وحقوقية تؤشر على الاتجاه الذي يجب أن يسير فيه النموذج المغربي، في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية، وتوترات إقليمية ودولية، بات من اللازم مواكبتها برؤية أكثر عدالة، وتوازن، وتكامل.
أولا: تمظهرات البعد الحقوقي :
في واحدة من أقوى لحظات الخطاب، صرح الملك: “لا مكان اليوم ولا غدا لمغرب يسير بسرعتين”، وهي عبارة تحمل في عمقها ما يشبه إعلان رفض لواقع الفوارق الترابية، وتأكيد على أن المشروع التنموي المغربي لا يمكن أن يكتمل دون عدالة في التوزيع الجغرافي للثروات، والبنيات، والفرص.
فلقد وضع الخطاب البعد التنموي في صلب البعد الحقوقي، لا باعتباره مجهود اقتصادي فقط، بل كحق يجب أن يمارس، وأن يعمم، ليصل إلى المواطن في القرى كما في المدن، وفي الهامش كما في المركز. وهذا انسجام تام مع التحولات التي تعرفها مفاهيم حقوق الإنسان عالميا، حيث أصبحت العدالة المجالية مكونا جوهريا من منظومة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وما ورد من أرقام – من قبيل انخفاض الفقر متعدد الأبعاد إلى 6.8%، وبلوغ المغرب عتبة “التنمية البشرية العالية” وذلك لم يكن للتمجيد بل للتأكيد على أن المشروع الملكي يقاس بمؤشرات موضوعية، ويخضع لتقييم مستمر.
وفي نفس الوقت لم يغفل صاحب الجلالة أن هناك مناطق لا تزال تعاني التهميش، وهنا تأتي الدعوة الصريحة إلى اعتماد مقاربة تنموية مجالية مندمجة، تستند إلى الخصوصيات المحلية، وتفعل الجهوية المتقدمة كمؤطر دستوري لتوزيع التنمية. هذا التحول يظهر أن الدولة المغربية تسير نحو نموذج ان اردنا أن نطلق عليه نموذج “الدولة الاجتماعية الترابية”، حيث يصبح للحق في التنمية بعد مكاني، وتشاركي، ومستدام.
ثانيا: تمظهرات البعد السياسي
فعلى مستوى البعد السياسي، حمل الخطاب رسائل مباشرة في منتهى الوضوح و الصراحة و الثقة ، سواء للداخل أو للمحيط الإقليمي:
فداخليا، جاء التأكيد على ضرورة إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، وتوجيه الحكومة إلى إعداد المنظومة القانونية المؤطرة لها قبل نهاية السنة، ليعكس الاحترام العميق للمؤسسات، وترسيخا للمسار الديمقراطي الذي لا ينفصل عن مشروعية الدولة الحديثة.
كما أن الخطاب أرسى ركيزة جديدة لـ”شرعية الدولة”، تتجاوز شرعية التاريخ والرمزية، لتصل إلى شرعية الإنجاز، أي أن المؤسسة الملكية لا تكتفي بتوجيه السياسات، بل تتابعها و تقيمها و تحاسبها على مدى تحقيقها للتنمية، والعدالة، والمردودية.
أما إقليميا، فقد أعاد الملك تثبيت موقفه الثابت و الحكيم والهادئ تجاه الجزائر، وهو الموقف الذي يتجاوز الحسابات السياسية الظرفية، ليؤسس لفلسفة الجوار المسؤول، القائم على الروابط الإنسانية والدينية والمصير المشترك، دون تخلي عن السيادة ولا تهاون في المبادئ.
وقد أرفق هذا الموقف بإشادة واضحة بالدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي، في قضية الصحراء المغربية، مما يعكس النجاح السياسي والدبلوماسي للنموذج المغربي في إدارة النزاعات وفق منطق السيادة والتوافق .
ثالثا: التلازم بين الحقوق والسياسة في الخطاب الملكي
ما يميز ما جاء في هذا الخطاب هو كونه طرح نظرية الربط و التلازم بين الحقوق و السياسة ، فليست التنمية مجرد أوراش اقتصادية، بل أداة لتحقيق الإنصاف الترابي، وليست الانتخابات مجرد محطة تقنية، بل ضمانة لشرعية المؤسسات. وليس الحوار مع الجوار ضعف أو استسلام ، بل تعبير عن قوة الموقف وسمو الأفق.
وعلى سبيل الختم و الاستنتاج من المنظر الخاص بنا نجد في هذا الخطاب تجسيدا لرؤية ناضجة، ترى أن مغرب الغد لا يمكن أن يبنى فقط بالبنية التحتية ولا بالمؤشرات الاقتصادية، وإنما بالمواطن الممكن، والجهة المتوازنة، والدولة المستقرة والمنفتحة.
إنه خطاب يفتح نقاش عميق حول معنى التنمية، وحدود المركز، وواجبات المؤسسات، ودور السياسة في صناعة الإنصاف،،وهي كلها قضايا لا تخص الدولة وحدها، بل تلزم النخب، والفاعلين، والمجتمع، بمراجعة تصوراتهم، ورفع سقف انتظاراتهم، وفق منطق المواطنة والمشاركة،خاصة المتواجدون في ال المناطق الهامشية و الجهات الفقيرة .
د محفوظ كيطوني












