مركز النجد… ربع قرن في خدمة «أطفال في وضعية الشارع»… من الرؤية الملكية إلى الواقع الميداني

22 نوفمبر 2024
مركز النجد… ربع قرن في خدمة «أطفال في وضعية الشارع»… من الرؤية الملكية إلى الواقع الميداني

20 دقيقة : عادل بوحجاري

الطفولة هي المرآة التي تعكس وجه المجتمع ومدى تقدمه و استقراره ،فحين نرى أطفالا يمرحون في ساحات المدارس أو بين أحضان أسرهم، ندرك أن الوطن بخير. لكن حين نصادف وجوها صغيرة تائهة في الشوارع، تحمل على كتفيها ثقل الفقر والعنف والضياع، ندرك أن هناك جراحا مفتوحة في جسد المجتمع، وأن ثمة صرخة لا بد أن تجد من يصغي إليها.

في المغرب، ورغم ما تحقق من إنجازات وتنمية خاصة في ورش الحماية الاجتماعية، ما زال أطفال كثر يواجهون الشارع كقدر محتوم . بعضهم ضحايا الطلاق والتفكك الأسري، وبعضهم ضحايا العنف أو الإدمان أو الفقر المدقع و البعض الاخر ضحايا اليتم و التهميش . هؤلاء الأطفال ينامون بلا مأوى، ويستيقظون بلا أمل، في انتظار يد تمتد إليهم لتعيدهم إلى مسار الحياة.

ومنذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، شكّل موضوع حماية الطفولة في قلب الأولويات الوطنية، عبر مشاريع اجتماعية وقانونية ومؤسساتية هدفت إلى دعم الأطفال في وضعية صعبة و في وضعية الشارع على الخصوص ، وإرساء ضمانات دستورية وتشريعية تحمي حقوقهم،ففي رسالة قوية وجهها الملك محمد السادس إلى المشاركين في أشغال الدورة الثامنة لقمة منظمة المدن والحكومات المحلية المتحدة الإفريقية “أفريسيتي”، بمناسبة إطلاق حملة “مدن إفريقية بدون أطفال في  الشوارع”، قامت بتلاوتها صاحبة السمو الملكي الأميرة للا مريم، رئيسة المرصد الوطني لحقوق الطفل دعت المملكة إلى مدن خالية من أطفال الشوارع، معتبرة أن “حماية الطفولة هي استثمار في المستقبل، وشرط أساسي للتنمية العادلة”.

من فكرة ملكية إلى مشروع ميداني

هنا، في مدينة وجدة، ولدت فكرة إنسانية كبيرة،جاءت من المستشارة الملكية الراحلة زليخة نصري التي كانت حينها تتقلد منصب كاتبة للدولة لدى وزير الشؤون الاجتماعية مكلفة بالتعاون الوطني والتي التفتت إلى هذا النزيف الصامت المهدد للطفولة في وضعية الشارع، فاقترحت على محسني مدينة وجدة وخاصة على السيد إدريس هوار باعتباره رئيسا للجمعية الخيرية الاسلامية بوجدة أن يبادر إلى التفكير في خلق فضاء يأوي أطفال الشوارع،لم يكن الأمر سهلا في البداية ، لكن الإيمان بأن إنقاذ طفل واحد يعني إنقاذ جيل كامل كان أقوى من كل الصعاب.

ومن منطلق هذه الفكرة ، قرر أعضاء الجمعية الخيرية بوجدة و في مقدمتهم الدكتور مصطفى بنحمزة و السيد ادريس هوار ليس فقط بخلف جناح في الجمعية الخيرية مخصص لأطفال الشارع بل قاموا بتأسي جمعية تعنى بهذه الشريحة و متخصصة في وضعيتهم ، فأطلق عليها اسم ”الأمل “

فرأت النور جمعية الأمل لرعاية وتأهيل الطفل سنة 1998 أي بعد أقل من سنة على الفكرة ، تعنى باطفال الشارع ، وكأول جمعية تأوي اطفال الشارع ايواءا دائما مع فتح أوراش في التكوين المهني داخل مقر الجمعية ، وعرفت الجمعية نشاطا ملفت و ميداني مستمر ،اذ تزايد عدد المستفدين من 15 مستفيدا الى 46 مستفيد قار ، ليتم التفكير في مركز أخر و بأسلوب عمل متقدم و بتخصص في وضعية أكثر شمولية من أطفال الشارع الى أطفال في وضعية صعبة ، فكان للجمعية و بشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية و مؤسسة محمد الخامس للتضامن ووزارة التنمية الاجتماعية و مؤسسة التعاون الوطني أن يتم افتتاح مركز النجد لرعاية الأطفال في وضعية صعبة سنة2011 تحت لواء جمعية الأمل بطاقة استعابية محددة في 56 طفل و بمساحة و فضاء مؤهل أن يستمر و يطور و يتميز في تحقيق الاهداف المنشودة .

اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن، صار المركز مؤسسة قائمة الذات، بطاقة استيعابية تصل إلى 56 طفلا، يشتغل ليل ونهار، ويمنح لهؤلاء الصغار ما افتقدوه في الشارع: مأوى، أمان، ورغيفا دافئا ممزوجا بكرامة و حب و اهتمام .

حياة تبدأ من جديد

منذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها الطفل إلى المركز، يفتح له “ملف خاص به” يرافقه في رحلته. يدوَّن فيه كل شيء: طريقة احالته على المركز هل من النيابة العامة أم من قاضي الأحداث أم من الشرطة أم من الدرك ..أم من طرف الام أو الاب أو أحد أفراد الأسرة أو حتى من جمعية مدنية ,..و حالته الصحية والنفسية، تفاصيل أسرته، وحتى أحلامه الصغيرة. ومن خلال هذا الملف يبدأ مسار الإدماج:

الاستقبال الأولي: التعرف على الطفل، تشخيص وحالته و معرفة وضعيته و الاستماع لقصته، معالجة جراحه الظاهرة والخفية.(يتم استحمام الطفل و تغيير ملابسه كلها و معاينة ان كانت هناك جروح أو اي شيء في جسم الطفل يدعوا للقلق ، ثم يتم فحصه ، وعندها يتم توجيهه داخل المجموعة المناسبة لسنه ) .

الإدماج التمهيدي: إدخاله تدريجيا في أنشطة تعليمية وترفيهية، حتى يعتاد على روتين جديد بعيد عن الفوضى التي عرفها في الشارع.(وهذه الفترة تبقى أطول فترة يقضيها الطفل داخل المركز اذ يمكن أن تصل الى 5 سنوات او أكثر ان كان الطفل يتابع دراسته ) وحتى يتم التأكد الفعلي من كون الطفل قد تم ادماجه و هنا يتم الحاقه بمؤسسة المركب الاجتماعي النجد اين يواصل حياته الدراسية بشكل جد عادي أي الى الجمعية الخيرية سابقا ) .

الإدماج الخارجي: إعادة ربطه بالمدرسة، أو توجيهه إلى ورشات التكوين المهني، أو محاولة لمّ شمله بأسرته.

الإدماج النهائي: أن يغادر المركز إلى حياة طبيعية، تليق بطفل في عمر الزهور.

وهذه الفترة من من عمر الطفل يقيها الطفل داخل المركز من سنة 4 سنوات أو اقل بقليل الى غاية 14 سنة أو أكثر .

شهادات من القلب

يقول الأستاذ محفوظ كيطوني، رئيس لجنة التدبير: “مركز النجد ليس جدرانًا فقط، إنه حياة تُبنى من جديد. هنا نترجم الرؤية الملكية إلى مبادرات ملموسة. كل ابتسامة ننتزعها من وجه طفل كانت بالأمس مبللة بالدموع، هي دليل على أننا نسير في الطريق الصحيح،مضيفا ،” أن جمعية الأمل تبقى جمعية متيزة وفريدة في هذا العمل و هذا التخصص في مملكتنا الشريفة ،كما لا ندعي الكمال باعتبار الكمال صفة اختص بها الله سبحانه ، ولكن نسعى أن نكون في مستوى الفكرة و مستوى طموح أعضاء الجمعية و في مستوى ثقة وطننا “.ولهذا يضيف “كان الهدف هو ليس انقاذ طفل في وضعية الشارع بل انقاد الطفل و تدخل المركز قبل أن يلج الطفل الى الشارع و حياة الشارع و لهذا قد قرر أمكتب الجمعية بتخفيض السن الولوج الى أقل من 4 سنوات اذ كان في السابق نقبل فقط في سن 6 سنوات و هو ما جعل مجموعة من الاطفال تكون عرضة للشارع لا تستفيذ من خدمات المركز و من هذا المنطلق تقرر تخفيض السن لكون الحماية و الوقاية خير من العلاج ، و هناك حالات تم قبولها بالمركز في سن سنتين لكون ان عملنا القانون فسيكون الطفل في الشارع لهذا نقول أن العمل الاجتماعي يتطلب ادراك واعي و تليب المصلحى الفضلى للطفل .وهذا يبقى سر اشتغال المركز .

مديرة المركز، هناء منصوري، تشارك تجربتها بقولها: “هؤلاء الأطفال ليسوا مجرد أرقام. كل واحد منهم قصة كاملة. نرافقهم صحيا، نفسيا وتربويا. قد يبدو الطريق طويل وصعب، لكن قصص النجاح التي نشهدها كل عام هي الوقود الذي يدفعنا للاستمرار.” وتضيف “ان عملنا غير محدد بوقت معين بل تواصلنا بين السيد المنسق و رئيس لجنة تدبير يبقى تواصلا 24/24 اذ في كل حالة ترد على المركز عن طريق الشرطة أو الدرك باحالة مباشرة أو غير مباشرة من النيابة العامة سواء بوجدة أو بركان أو كرسيف أو بوعرفة أو حتى ناظور أو فاس وسواء نهارا أولا ليلا ..نخبر بها حينا السيد رئيس لجنة التدبير، وبمجرد أن يلج الطفل للمؤسسة يصبح أحد ابنائنا .

ويضيف السيد عبد الفتاح السائل أحد الأطر التربوية له تجربة و مساعد اجتماعي يقول : “كثيرون يظنون أن هؤلاء الأطفال ضائعون إلى الأبد. لكن الحقيقة أننا نرى العكس: نرى كيف يتحول طفل غاضب وضائع و عنيف و… إلى طفل مبتسم يشارك في الأنشطة ويرسم أحلاما جديدة.”..فهؤلاء يحتاجون للاهتمام أكثر من حاجاتهم للاكل و الشرب ،فالاهتمام و المصاحبة تبقى في نظري أهم مدخل لادماج الطفل ، خاصة ن الاطفال أغلب يكون قد تطبع بحياة الفوضى و التشرد و الحرية المطلق ، اذ في المركز تقلب الى حياة الانضباط و الاهتمام و النظافة و الكرامة ….وحتى الطفل داخل المركز لا نحسه أنه داخل ادارة بل داخل اسرة كبيرة مطلوق الحرية و التصرف ، فحتى خزانة الكتب تم اعتمادها في جناح النوم بدل أن تكون مكتبة مخصصة في غرفة مسدودة ، و تلفاز في قاعة مفتوحة ،وأفرشة كانه في منزله (صالة ) ، كل ذلك لاحساس أنه في فضاء له و ملكه ،ولهذا نسجل صفر حالة فرار أو هروب ، فحتى الذهاب للمدرسة يرافقهم مؤطر خاص .

وجوه صغيرة تحلم


الطفل أمير مزداد سنة 2013 و تمت احالته على مركز النجد بتاريخ 2018/12/7 من طرف الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف ، حالته الاجتماعية متخلى عنه، يتابع دراسته بالمركز بشكل جد عادي و متميز في دراسته و نتائجه الدراسية جيدة ، اذ حصل على المرتبة الثانية في القسم ، وتمت مؤخرا التكفل به من قبل السيدة س ، وقد غادر المركز بتاريخ 02/10/2023.


الطفل صلاح استغل في التسول من طرف احد قرباته ، اذ استغلت عمل والدته كنادلة في مقهى طيلة اليوم و له ثلاث اخوة صغار ،فأثناء دورية للامن الوطني لمحاربة ظاهرة التسول هربت و تركته فأحالته الشرطة بامر من النيابة العامة على مركز النجد على الثانية صباحا ،فتم ادماجه في التربية غير النظامية اذ كان سنه يفوق 8 سنوات و لم يبق له أن ولج المدرسة ، وبعد سنة تم ادخاله للتعليم العمومي بشكل عادي و قد تابع دراسته الى أن وصل القسم السادس ابتدائي فتمت احالته الى المركب الاجتماعي النجد (الجمعية الخيرية اذ تابع دراسته هناك الى غاية نيله شهادة الباكالوريا )


الطفل حاتم له حكاية أكثر ذرامية اذ تركته والدته بالقرب من المركز وبع أن تم اكتشافه استدعت الشرطة و تمت احالته للمركز بأمر من قاضي الاحداث ، وطول فترة استدعاء الشرطة والام تراقب ابنها من بعيد ، حتى تم ادخاله للمركز فطمأنت و غادرت ، و السبب أنها قد جاءتها فرصة الذهاب لاشتغال في اسبانيا في حقوق الفرولة و بذلك لم تجد لم تترك طفلها ، اذ بها وبعد سنتين تلج للمركز و تسأل عن ابنها فكان لقاء بعد غياب لظروف لكل له روايته و قناعته ،والطفل استمر في المركز لسنة بعد ذلك و كانت معدلاته جيدة ،و هو الان مع والدته في الخارج .

هذه بعض الحالات ، وحالات أخرى يرويها مركز النجد ، منها ما هي أكثر شدة و حزن ، ومنها ما هي أكثر شفقة و ذعر ، و الكل يلتقي في تيمة واحدة هي الضحية هي البراءة التي لم تصنع قدرها بيدها بل هي ضحية لظروف و قرارات و ووضعيات ،وليبقى الكل و الجميع يتحمل مسؤولية هذه الشريحة من المجتمع ، و جيل المستقبل ليكون تدخل مركز النجد في مرحلة جد حرجة لا يدرك حجم تدخله الى بعد سنوات طوال .وهنا نتساؤل هل كانوا لهؤلاء الاطفال الذين سقناهم في أمثلتنا أن ينعموا بمستقبل أحسن لوا تواجدهم بمركز النجد ..فهؤلاء فقط ثلاثة أما المركز فسنويا يستقطب أكثر من 100 حالة .

بلغة الأرقام

  • سنة التأسيس: 1998 (الجمعية) – الافتتاح الرسمي للمركز النجد في مقره الجديد: 2011.
  • الطاقة الاستيعابية: 56 طفلًا .
  • الفئة العمرية: من 4 إلى 14 سنة.
  • الخدمات: إيواء، تغذية، رعاية صحية ونفسية، تعليم غير نظامي، تدريس ، روض ، وتعليم اساسي ، تكوين مهني، دعم اجتماعي، أنشطة رياضية وثقافية.
  • المركز يعمل بشكل يومي وعلى مدار الساعة، بلا توقف.

من وجدة إلى المغرب كله

إن تجربة مركز النجد ليست مجرد مبادرة محلية، بل هي امتداد عملي للرؤية الملكية التي تدعو إلى مغرب بلا أطفال في الشوارع. هي أيضا رسالة قوية بأن المجتمع المدني، حين يجد الدعم والشركاء المخلصين، قادر على أن يغيّر مصير الأطفال، بل ومصير الوطن.

و في اليوم العالمي للطفل، يقف مركز النجد شاهدا على أن الحلم ممكن. فبعد أكثر من 25 سنة من العطاء، لا يزال يفتح أبوابه للأطفال الذين لفظهم الشارع و قست عليهم الظروف ، وهجرتهم الاسر و العائلات ، ليمنحهم فرصة ثانية للحياة. وإذا كان إنقاذ طفل واحد كافيا لإحداث فرق، فإن ما حققه هذا المركز طوال أكثر من ربع قرن هو قصة أمل تستحق أن تُروى، وتستحق أن يكتب عليها بمداد من فخر ، فالوطنية الحقة هي تفعيل التوجيهات الملكية على أرض الواقع .

 صورة لأروقة مركز النجد لرعاية الأطفال في وضعية صعبة – بوجدة

20 دقيقة : عادل بوحجاري

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق