من خواطر الحجر الصحي : المعذبون في الأرض

11 أبريل 2020
من خواطر الحجر الصحي : المعذبون في الأرض

أول ما يخطر ببالك، وأنت ترى عبارة “المعذبون في الأرض”، أني أقصد الفقراء والمشردين والمجانين، …، أي كل الصفات السلبية التي تَمُتُّ لكلمة العذاب بصلة، لكن ذلك ليس قصدي. فالمعذبون، الذين أقصدهم، هم من انعدمت إنسانيتهم أو انمحى ضميرهم. تسربلوا بثياب الكبر والعنصرية والميز بين الناس. فهذه الثياب كلها عذاب وأصفاد.


فكيف يعقل أن يسخر شخص من نظيره؟ أليس هو الشخص نفسه، لكن بروح مغايرة؟ أيعقل أن يهزأ الإنسان من نفسه؟ ألا يدرك أنه باحتقاره لونا أو شكلا أو عرقا، فإنما هو، إذن، يحقر نفسه؟ ألسنا أبناء آدم وحواء، أي لنا نفس الأب والأم كليهما؟ كيف انتهى بنا المطاف أن نُقَيِّمَ بعضنا بعضا بالمال والطبقة الاجتماعية ونغفل، في الآن ذاته، جوهرنا الحقيقي: أي الروح والخلق؟ لم نبسط ، إذن، مكانا رحبا للجهل في عقولنا؟ أسئلة كثيرة تحيط بعقولنا وتجد الكل يطرحها، لكنها تبقى مبهمة، إن ظلت ذواتنا تطرحها من ذات الأفق الضيق.


إن السفر قد يغيرنا، كما قد يغير انفتاحنا على ألوان مختلفة عوائدنا. حينما يجالس المرء نفسه ويعيد حساباته، قد يكتشف الإنسان قدرته على حب الآخر، على تسليم مشعل هذا الحب للأجيال الصاعدة، على تربيتها على الحب، بغض النظر عن اللون والعرق أو الانتماء.


متى ستتوقف العنصرية أو تندثر؟ هذا سؤال محير. متى سيتوقف المرء عن ازدراء شكل الإنسان، شكل لم يقم باختياره، لم يصنعه بيده؟ متى يعي أنه يسخر من نفسه كما يؤذيها؟ فالعيش بكرامة هي حق مشروع لكل إنسان. لا يجوز لأحد أن ينتهكها أو يدوس عليها. لا يوجد إنسان بشع في خلقته. تقول الآية الكريمة: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم،” أي أن الإنسان يحظى بأجمل صورة وأجمل هيئة. وهذا يعني أن الخريطة الإسلامية لا تنظر إلى الأشكال المختلفة بازدراء. لا يهمها في الآخر دينه أعقيدته، مركزه أو قيمته الاجتماعية. فلا أحد يملك الحق في تجريد الآخر من كرامته أو اهانته والسخرية منه.


إن الحياة ماضية. لا وزن فيها إلا للأشياء الرمزية العميقة. فالألقاب والمراكز والمال والحقد والميز كلها أشياء تذهب مع الريح. فلم لا نعامل، إذن، بعضنا بعضا بحب واحترام؟ ألسنا جميعا راحلين؟ ألن تنطفئ أشكالنا وألواننا ذات ليلة؟ فلن يتذكر التاريخ غير صحائفنا، غير قيمة أفعالنا.
تلك صحيفتك، أحسن، إذن، كتابتها!

20 دقيقة // العمراني فاطمة الزهراء

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق