بعيدا عن منطق الزيادات المالية والالتزامات الاجتماعية، كشفت معطيات وزارة التربية الوطنية عن ورش إصلاحي أقل تداولاً في النقاش العمومي، يتعلق بإعادة هيكلة المنظومة التربوية من زاوية تنظيمية وتدبيرية، باعتبارها شرطاً أساسياً لنجاح أي إصلاح مستدام.
فإصدار 45 نص تنظيمي من أصل 56 لتفعيل اتفاقي دجنبر 2023 لا يعكس فقط تقدماً رقمياً بنسبة إنجاز بلغت 82 في المائة، بل يؤشر على تحول في منطق التدبير من قرارات ظرفية إلى هندسة قانونية تحاول ضبط المسارات المهنية، وتوحيد القواعد، وتقليص مناطق الالتباس داخل قطاع يعاني تاريخياً من تضخم النصوص وتداخل الصلاحيات.
وفي السياق ذاته، يبرز الرفع من التعويضات عن الساعات الإضافية كخيار عملي لتدبير الخصاص في الموارد البشرية، لكنه يطرح في المقابل أسئلة حول أثره على جودة التعلمات، ومدى قدرة الأساتذة على التوفيق بين الضغط المهني ومتطلبات الأداء البيداغوجي، خاصة في ظل الاكتظاظ وتفاوت البنيات التحتية.
كما أن اعتماد التخطيط المحلي وإدراج الأطفال في منظومة “مسار” بالتعليم الأولي، يمثل تحوّلاً نوعياً في منطق التتبع والتقويم، إذ يسمح برصد الفجوات المجالية، وربط السياسات التربوية بالمعطيات الواقعية، بدل الاعتماد على تقديرات مركزية غالباً ما تصطدم بحدود التنفيذ الميداني.
غير أن نجاح هذا التوجه يبقى رهينا بقدرة الإدارة التربوية على تحويل المعطيات الرقمية إلى قرارات فعّالة، وتجاوز الإكراهات المرتبطة بتفاوت التأطير الجهوي، وضعف التنسيق بين المتدخلين، خاصة في الوسط الحضري حيث تتعقد إشكالات العقار والكثافة السكانية.
وبين النص والتنزيل، يظل التحدي الحقيقي للإصلاح التعليمي هو استعادة الثقة في المدرسة العمومية، ليس فقط عبر تحسين الدخل، بل من خلال حكامة واضحة، ومسؤولية إدارية، وربط الإصلاح بنتائج ملموسة يشعر بها التلميذ والأسرة قبل الأطر التربوية.
20 دقيقة : هيئة التحرير













