“الأحرار” يحسم في الدوائر بجهة الشرق ويؤجل “أم المعارك” بوجدة.. وهذه الأسماء قد تدخل على خط المفاجأة؟
مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية 23 شتنبر القادم، يواصل حزب التجمع الوطني للأحرار بالجهة الشرقية ترتيب بيته الداخلي وتثبيت قطعه على رقعة الشطرنج الانتخابية.
وفي الوقت الذي نجحت فيه القيادة الجهوية والمركزية للحزب في حسم تزكيات غالبية الدوائر الإقليمية بالجهة الشرقية بيسر وسلاسة، لا تزال “دائرة الموت” بوجدة – أنجاد تشكل الاستثناء الأبرز، حيث يخيم عليها الغموض والترقب في ظل صراع صامت بين مراكز قوى تقليدية وصاعدة، وطموحات متباينة يسعى الحزب لتدبيرها بكثير من الحذر لتفادي أي تصدع تنظيمي.
تشير المعطيات القادمة من كواليس “الحمامة” بالجهة الشرقية إلى أن الحزب اعتمد استراتيجية واضحة في باقي الأقاليم (كالناظور، بركان، الدريوش، تاوريرت، فكيك، وجرادة)، ترتكز على إعطاء الأولوية للوجوه التي تتوفر على خزان انتخابي مضمون، والبرلمانيين الحاليين ورؤساء المجالس الإقليمية والجماعية القوية الذين أثبتوا قدرة ميدانية على الحشد.
هذا الحسم المبكر جاء لقطع الطريق أمام الشائعات ومنح المرشحين الوقت الكافي لإعداد ماكيناتهم الانتخابية.
لكن السؤال المطروح حاليا: لماذا استعصى “الحسم” في دائرة وجدة؟
تأجيل الإعلان الرسمي عن وكيل لائحة الأحرار بدائرة وجدة – أنجاد لم يكن وليد الصدفة، بل تفرضه حسابات سياسية معقدة وحساسية جغرافية وتاريخية لهذه الدائرة. وتعود أسباب هذا التريث إلى:
تعدد الطموحات داخل البيت الواحد: وجدة تضم نخبًا اقتصادية وسياسية وازنة داخل الحزب، وكل طرف يرى في نفسه الأحق بتمثيل عاصمة الشرق.
البحث عن العتبة وضمان الصدارة: الحزب لا يبحث فقط عن مقعد، بل يطمح لتصدر المشهد الانتخابي وحصد أكبر عدد من الأصوات لدعم اللائحة الجهوية، مما يتطلب اختيار “بروفايل” يمتلك قبولاً شعبيًا وامتدادًا في الأحياء الهامشية والعالم القروي على حد سواء.
تجنب الانشقاقات والكولسة: الحسم السريع لصالح اسم معين دون توافق قد يدفع الأطراف الأخرى إلى “عقابه” سياسيًا، إما بفتور الدعم أو بالهجرة نحو أحزاب منافسة.
النقاش الصاخب الصادر من كواليس الحزب بوجدة يضعنا أمام ثلاثة سيناريوهات رئيسية تتأرجح بين الاستمرارية، والتغيير، وعنصر المفاجأة:
1. محمد هوار: هل تراجع “الرقم واحد”؟
بعد أن كان محمد هوار هو القوة الضاربة للحزب والاسم الأبرز في الاستحقاقات الماضية، تتحدث تقارير وصالونات سياسية محلية عن أن أسهمه لم تعد كما كانت في السابق كـ “رقم واحد” مطلق. تراجع الزخم حوله يربطه متتبعون إما برغبته الشخصية في إعادة ترتيب أولوياته الاقتصادية، أو لرغبة الحزب في تجديد الدماء وضخ نفس جديد يتلاءم مع طبيعة التحديات المقبلة بوجدة.
2. محمد القايدي: الصعود الهادئ والرهان الميداني
في مقابل تراجع أسهم هوار، يبرز اسم محمد القايدي كمرشح قوي يحظى بنصيب كبير من الدعم والارتياح داخل القواعد الانتخابية للحزب. القايدي، الذي يتمتع بامتداد ميداني وعلاقات وثيقة مع الأعيان والفعاليات المحلية، يُنظر إليه كخيار “آمن” قادر على لمّ شمل التجمعيين بوجدة، وقيادة حملة انتخابية هادئة ومنظمة تعتمد على القرب والتواصل المباشر.
3. هشام الصغير: عنصر المفاجأة وضابط الإيقاع
يبقى السيناريو الأكثر إثارة وتشويقًا في صالونات وجدة هو: ماذا لو دخل هشام الصغير خط المواجهة؟
الرئيس السابق لمجلس العمالة والفاعل الاقتصادي الوازن يمثل “الورقة الرابحة” أو “عنصر المفاجأة” الذي يمكن أن يقلب الطاولة في أي لحظة. دخول الصغير لمعترك التزكية – سواء كوكيل للائحة أو كمهندس داعم خلف الكواليس – من شأنه إعادة خلط الأوراق بالكامل، نظرًا لوزنه الانتخابي الثقيل، وخبرته في إدارة المعارك الانتخابية المعقدة، وقدرته على حشد الدعم من خارج القواعد التقليدية للحزب.
حزب التجمع الوطني للأحرار بوجدة يقف على كف عفريت سياسي؛ فالخيار بين الحفاظ على الوجوه القديمة، أو الدفع بـ “القايدي” كخيار توافقي، أو اللجوء إلى “زلزال” سياسي عبر ورقة “هشام الصغير”، هو ما سيحدد ملامح الخريطة السياسية لعاصمة الشرق.
الأيام القليلة القادمة كفيلة بالإجابة عن السؤال الحارق: من سيقود حمامة وجدة في “أم المعارك”؟
زلزال التغيير يمتد للناظور وجرسيف
لم تكن وجدة الدائرة الوحيدة التي طالها قطار التجديد؛ ففي إقليم الناظور، يتجه الحزب لتزكية حليم فوطاط (رئيس جماعة بني أنصار) خلفاً للنائب الحالي محمادي توحتوح. أما في إقليم جرسيف، فقد فرضت الظروف على الحزب البحث عن وجه جديد تماماً بعدما عبّر البرلماني المختار السهلي عن عدم رغبته في الترشح مجدداً، مما جعل المعايير التجمعية تتجه نحو الكفاءات ذات الحضور الميداني والالتزام التنظيمي.
أوراق القوة وبوصلة الاستمرارية بالجهة
في مقابل التغييرات الجارية في وجدة والناظور، اختار “حزب الحمامة” اللعب بأوراقه الوازنة والحفاظ على الاستقرار في أقاليم أخرى:
بركان: الدفع بوزير الفلاحة السابق محمد الصديقي، وهو اسم ثقيل يعول عليه الحزب لتأمين المقعد بفضل رمزيته السياسية وتجربته التدبيرية.
جرادة: تجديد الثقة في النائب الحالي مصطفى توتو كعنوان للاستمرارية وتثميناً لأدائه في الولاية المنصرمة.
تاوريرت: تزكية إدريس بنجدي.
فجيج والدريوش: الحسم مسبقاً لصالح كل من رضوان بن أحمد وعبد الله البوكيلي على التوالي.
ملف نساء الشرق معلق بالرباط: بخصوص اللائحة الجهوية المخصصة للنساء، وعلى الرغم من التنافس المحموم ورغبة العديد من الكفاءات النسائية التجمعية بالجهة في الترشح، إلا أن الحسم النهائي في هذا الملف الحساس ظل حصرياً بيد الأمانة المركزية بالرباط لتفادي أي تصدعات محلية.
تواجه القيادة التجمعية بجهة الشرق امتحاناً حقيقياً في تدبير التوازنات؛ فبين منطق “المكافأة الانتخابية” للوجوه التي قادت المرحلة السابقة، وضغط “التجديد وضخ دماء جديدة” كخيار تفرضه طبيعة المرحلة، يبدو أن الأحرار اختار صيغة مرنة لخوض غمار تشريعيات 23 شتنبر بأكبر قدر من الانسجام، في جهة لطالما شكلت رقماً صعباً في المعادلات السياسية بالمغرب.
20 دقيقة : مولود مشيور














