خطوة قضائية تاريخية من شأنها إعادة تشكيل قوانين الأحوال الشخصية في البلاد، أصدرت المحكمة الدستورية العليا في تركيا قراراً يقضي بإلغاء مادة “النفقة الأبدية” (المعروفة بنفقة الفقر) الواردة في المادة 175 من القانون المدني التركي المعمول به منذ عام 1988.
وجاء هذا الحكم الحاسم استجابة لدعوى قضائية رفعتها محكمة الأسرة الثانية عشرة في ولاية أنطاليا، والتي دفعت بعدم دستورية إلزام أحد الزوجين المنفصلين بدفع مبالغ مالية للطرف الآخر مدى الحياة دون سقف زمني محدد، واصفة الإجراء الحالي بأنه يشكل عبئاً مالياً واجتماعياً غير عادل.
مهلة تشريعية لمنع الفراغ القانوني
بموجب قرار المحكمة العليا، تم إلغاء عبارة “دون مدة محددة” من النص القانوني. ومع ذلك، لن يدخل القرار حيز التنفيذ الفوري؛ حيث منحت المحكمة الدستورية البرلمان التركي مهلة زمنية مدتها 9 أشهر لإعداد وصياغة قانون جديد ينظم حدود وثغرات دفع النفقة، وذلك لتجنب حدوث أي فراغ تشريعي قد يضر بالحقوق المدنية للمواطنين.
ومن المتوقع أن تركز التعديلات التشريعية المقبلة، والتي ستدرج ضمن حزمة الإصلاحات القضائية، على ربط المدة الزمنية للنفقة بفترة استمرار الزواج الفعلي، أو وضع حد أقصى للسن والقدرة على العمل.
نفقة الأطفال خط أحمر
أكدت المصادر القانونية أن هذا التعديل الجذري يخص حصراً “نفقة الفقر” أو الدعم المالي المتبادل بين الزوجين السابقين بعد الطلاق. في المقابل، يظل القانون التركي صارماً بشأن “نفقة الأطفال”، حيث لن يطرأ أي تغيير على التزامات الآباء كاملة في تمويل رعاية أبنائهم، وتعليمهم، ومصاريفهم الصحية واليومية حتى بلوغهم السن القانونية.
تباين الآراء بين الترحيب والمخاوف
أثار هذا القرار موجة واسعة من النقاش في الأوساط السياسية والمدنية داخل تركيا:
- المؤيدون: رحبت جمعيات حقوقية ومنظمات الدفاع عن حقوق الرجال بالخطوة، معتبرين أن النفقة المؤبدة تحولت على مدار العقود الماضية إلى أداة لاستغلال الطرف الآخر، وتسببت في تعثر مئات الآلاف من المطلقين مالياً، مما أعاق قدرتهم على بدء حياة جديدة.
- المعارضون: في المقابل، أبدت منظمات حقوق المرأة مخاوف جادة من تداعيات القرار، محذرة من أن إلغاء النفقة دون وجود شبكة أمان اقتصادي بديلة قد يؤدي إلى اتساع رقعة الفقر بين النساء المطلقات، خاصة اللواتي ابتعدن عن سوق العمل لسنوات طويلة من أجل رعاية الأسرة.
يفتح هذا القرار الباب على مصراعيه أمام نقاشات برلمانية ساخنة خلال الأشهر التسعة القادمة، حيث سيتعين على المشرعين الأتراك إيجاد معادلة دقيقة توازن بين رفع العبء المالي الدائم عن كاهل المطلقين، وضمان الحماية الاقتصادية والاجتماعية للمطلقات.












