المواطن المغربي في زمن كورونا… أقنعة مكشوفة

13 يونيو 2020
هواري كرزازي

كورونا !!! هي جائحة لم يشهد العالم لها نظيرا من قبل, و لم تسلم من هولها أي دولة مهما علا شأنها, هو وباء لم تنفع معه أي من الأسلحة النووية التي تتباهى بها الدول العظمى, ولا الاستراتيجيات السياسية المتطورة, حتى الطب الحديث لم يستطع السيطرة عليه, جعل العالم ينقسم إلى مجموعة من الأطياف.

فهناك من اعتبرها فكرة سياسة مبيتة غرضها تمرير أجندات من يملكون زمام حكم العالم, و هناك من اعتبره جزاء إلاهي لسكان الأرض الذين طغوا في البلاد و أكثروا فيها الفساد فصب عليهم الله شر العذاب, وهناك من اعتبر هذا الوباء نتيجة لمجموعة من سلوكيات البشر, مثل أكل سكان الصين للخفافيش و الثعابين, مما أدى إلى ظهور هذا الفيروس الفتاك الذي ينتقل و ينتشر بمجرد اللمس.

بيد أن ما يهمنا من هاته التضاربات هو أن كورونا حقيقة لا غبار عليها, حصدت ملايين الإصابات و آلاف الأرواح سنة 2020 مهما اختلفت الآراء حول مصدر الجائحة, والحقيقة الأخرى هي أن هذا الفيروس أزال مجموعة من الأقنعة, التي لم تكن مكشوفة قبل تفشي هذا الوباء, و سوف نخصص هاته الورقة للحديث عن المواطن المغربي و سلوكياته المتغيرة أثناء المدة التي تفشى فيها هذا الوباء, و التي عايشناها جميعا كمغاربة.

ترى! كيف كان سلوك المواطن المغربي بعد الإعلان عن حالة الطوارئ بالمغرب؟ و هل استجاب للإجراءات الحكومية المفروضة للحد من انتشار الوباء؟ هل أبان المغاربة فعلا أننا فعلا مجتمع متضامن يشد بعضنا بعضا؟ هل كانت الإجراءات المتخدة من طرف الحكومة تراعي فقر شريحة واسعة من الأسر المغربية؟ كلها تساؤلات تصب في خانة واحدة, الإجابة عليها ستكون بمثابة تقييم نسبي للمواطن المغربي.

” ربي خلق و فرق” هو مثل مغربي شائع أردت أن أستهل به هاته الفقرة لأبين أنه من الصعب تعميم سلوك واحد أو حكم واحد على جميع المغاربة, فهناك من المواطنين من أبان على حس عالي من المسؤولية و التضامن و الكرم و الجود الذي عادة ما تتطلبه مثل هاته الظرفيات الصعبة, و هناك من تحالف مع كورونا و تضامن معها و ارتأيت أن أسميهم ب “حزب كوفيد 19” , وحتى لا نعمم الحكم على جميع المغاربة, سوف أخص بالحديث “حزب كوفيد 19” الذين أبانوا على مجموعة من السلوكيات التي نتمنى أن تتغير صراحة.
فبمجرد إعلان المغرب لحالة الطوارئ الصحية و إلزامية الحجر الصحي, نظم مجموعة من الأشخاص احتجاجات في مجموعة من المدن المغربية للتنديد بهذا القرار بحجة أننا بلد إسلامي نؤمن بأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا, متناسين أن الله ينهانا عن الإلقاء بأنفسنا إلى التهلكة مصداقا لقوله تعالى ” ولا تلقوا بأنفسكم إلى التهلكة “, و متناسين أن النبي صلى الله عليه و سلم بين في عدد من الأحاديث, مبادئ الحجر الصحي, بأوضح بيان, فمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون, و منع كذلك أهل تلك البلدة من الخروج منها, بل جعله كالفرار من الزحف الذي هو من كبائر الذنوب, و جعل للصابر فيها أجر الشهيد.

وروى البخاري في صحيحه قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه, حين خرج إلى الشام, فلما وصل إلى منطقة قريبة منها يقال لها : (سرغ), بالقرب من اليرموك, لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح و أصحابه, فأخبروه بأن الوباء قد وقع بأرض الشام, و بعد مشاورات قام بها عمر مع المهاجرين و الأنصار, استقر على قرار عدم الدخول إلى تلك البلدة و قال ” نفر من قدر الله إلى قدر الله”.
أيضا من السلوكات التي رأيناها أثناء انتشار هذا الوباء هو جشع مجموعة من الناس و التهافت على الأسواق خوفا من المجاعة, لدرجة أن لا أحد فكر في مصير المسكين لحظة الإعلان, و أصبحت مقولة “بعد على راسي و شقف” هو المبدأ السائد لدى ” حزب كوفيد 19″.

رأينا أيضا عدم التزام منخرطي هذا الحزب بالشروط الوقائية ك “الكمامة” و ” التعقيم” , و أصبحت الكمامة تستعمل فقط أمام الشرطي و كأن هذا الأخير هو كورونا, بل الأبعد من ذلك رأينا البعض يتعمد الإخلال بقوانين الطوارئ الصحية فقط لكي يقال عنه شجاع بنشر صور خرقه على مواقع التواصل الاجتماعي مفتخرا بذلك, قمة الجهل !!!!

صحيح أن حالة الطوارئ هاته و إلزامية الحجر الصحي خلفت مجموعة من ردود الأفعال لدى العائلات المعوزة التي لم يعد لها دخل, و أصبحت هذه الأخيرة تفضل الخروج للمصارعة مع كورونا قبل أن تموت بالجوع, خصوصا تلك العائلات التي لم تتعود أن تمد أيديها, وهذا أمر كشف للحكومة مجموعة من الحقائق التي يتوجب إعادة النظر فيها, فعلى الرعم من إحداث صندوق اليقضة لتدبير جائحة كورونا, فقد تبين فيما بعد أن هذا الصندوق هو الاخر لم يسلم من تصرفات أعضاء ” حزب كوفيد 19 ” , فكم من ميسور الحال زاحم الفقراء في الدعم المخصص للجائحة مستغلا عدم قدرة الدولة في استهداف المستحقة للدعم, و كم من حاصل على بطاقة الرميد يجب إعادة النظر في أهلية حصوله عليها, الشيء الذي دفع البرلمان للمصادقة على مشروع قانون 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي و بإحداث الوكالة الوطنية للسجلات.

إنه من الواجب على كل مواطن منا أن يكون مسؤولا من موقعه, فالحكومة وحدها بدون مساعدة أفراد الوطن لن تصل إلى أي نتيجة, ولكم في مواطني الدول المتقدمة خير مثال.

أخيرا و ليس اخرا, سأستغل مساحة الخاتمة لمناداة كل مغربي قرأ هاته الأسطر, وأقول لك إن كنت ترى أن سلوكك يندرج في خانة المواطنين الملتزمين و المتضامنين فأهنئك باعتبارك مواطن تفخر جميع الشعوب أن تكون منتميا إليها, و إن كنت ترى سلوكك يندرج ضمن ” حزب الكوفيد 19 ” فأعتقد أنك لن تتشرف بهذا الانتماء, و أتمنى أن تراجع نفسك جيدا, و أتمنى من الله أن يهديك سبيل الرشاد.

بقلم كرزازي هواري
طالب باحث سلك الدكتوراه

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

التعليقات تعليق واحد
  • Chahrazad
    Chahrazad 14 يونيو 2020 - 2:58

    اتمنى لك التوفيق فلقد أصبت الهدف بما ذكرته في اسطرك و كل.ما نتمناه جميعا هو الوعي بخطورة الفيروس و ما خلفه و ما سيخلفه

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق