بقلم سدي علي ماء العينين،اكادير ،
أيام تفصلنا عن موعد الدخول المدرسي الأول -ونتمناه الأخير- في زمن كورونا ،هذه الجائحة التي داهمتنا في منتصف الموسم الدراسي السابق لتجدنا -كما هو حال دول العالم- نزج بأنفسنا في حجر صحي مع اعتماد التعليم عن بعد لأسباب قاهرة واستثنائية .
وطبيعي جدا لنظام تعليمي عن بعد أن تشوبه النواقص و العراقيل لأسباب كثيرة يصعب تعدادها في هذا المقال،لكنه كان ضرورة إجبارية و إضطرارية لا محيد عنها.
في المغرب ،يتعلق الأمر بقرابة تسعة ملايين تلميذ مغربي و234 الف رجل تعليم موزعون على اكثر من 13 الف مؤسسة ،ب اكثر من 1500 جماعة ترابية ،
المغرب الذي لا زال يعيش في حالة طوارئ منذ شهر مارس الماضي ،قسم ترابه الوطني الى مناطق ،ومنها مناطق بها حجر صحي واخرى بها تخفيف لهذا الحجر .
ونحن نعد هذا المقال تعذر علينا الحصول على ارقام دقيقة تخص عدد الجماعات وعدد المؤسسات التعليمية وعدد التلاميذ بكل منطقة حسب تقسيم وزارة الداخلية ووزارة الصحة ،
لكن ما يمكن تأكيده هو انه من اصل 1500 جماعة بالمغرب ،فإن عدد الجماعات الترابية التي سجلت حالات كورونا وسط ساكنتها لا يتجاوز 240 جماعة ،مما يعني ان باقي الجماعات لم تصلها جائحة كورونا .
ويعيش المغرب مفارقة في التوزيع الجغرافي للمؤسسات التعليمية و المتمدرسين بين العالم القروي والحضري ، فبلادنا تعرف عددا كبيرا من المؤسسات التعليمية بالعالم القروي ،لكن عدد المتمدرسين يكون اكبر بالمجال الحضري ،
لم يسعفنا بحثنا في تقديم ارقام دقيقة حول هذا التوزيع ،لكن ما اوردناه أعلاه يعد كافيا لتكوين فكرة عن زاوية رؤية الوزارة لأول دخول مدرسي في زمن كورونا.
التعليم عن بعد ببلادنا تعيقه عوائق لن تجد لها مثيلا على الصعيد الدولي :
- الإحصاء العام للسكان يتحدث عن نسبة أمية ببلادنا تفوق 30٪ ،مما يعني أن نسبة كبيرة من التلاميذ يدرسون بوسط عائلي أحد الأبوين أمي لا يعرف القراءة والكتابة او كلاهما (الأب والأم). مما يعيق أي مقاربة لدمج هؤلاء الآباء في عملية التعليم عن بعد.
- اما شبكات الأنترنيت ،فبلادنا تعرف اضعف صبيب يعرقل اي تواصل عن بعد ،بل هناك مناطق بالمغرب لم تصلها التغطية من اي شركة من الشركات الثلاث.
- منازلنا ،و شققنا حسب اعلانات البرامج السكنية تحدد فضاءات المنازل والشقق في مطبخ ومرحاض و دوش وغرفة نوم الأبناء و غرفة الأبوين و صالون للإستقبال والأكل و مشاهدة التلفاز والنوم ….حيث يغيب اي فضاء للتعليم او خزانة للكتب او مكتب للتحصيل العلمي. يصلح للتعليم عن بعد.
لهذه الأسباب وغيرها كثير يكون التعليم عن بعد بالمغرب مغامرة تمس في العمق جودة العملية التعليمية ونجاعتها .
في زمن كورونا يكون هناك خيار صعب بين الحرص على سلامة المواطنين وبين الحق في التمدرس ،لذلك كان لزاما إتخاذ قرارات صعبة ، ولنا في عملية رفع الحجر الصحي لفسح المجال لإنتعاشة إقتصادية ما خلفته من زيادة مهولة في عدد الإصابات و الوفيات .
هناك مخاوف من الزج بتسعة ملايين تلميذ مغربي و 234 الف اطار تربوي في إختلاط قد يعطي نتائج عكسية .
وبين التعليم الحضوري ومخاطره ،و التعليم عن بعد و مطباته وعوائقه ،يكون قرار المزاوجة بين النظامين مع ترك الإختيار للآباء هو شكل من أشكال التدبير الإضطراري و الصعب ،ذلك أن ما هو متوفر من معطيات لدى الوزارة هو غائب عن كثير من الذين يخوضون في هذا الموضوع ،
فمثلا ما يمنع تلاميذ اكثر من 1240 جماعة ترابية من الإلتحاق بحجر الدراسة ،وهذه الجماعات لم يصلها الوباء؟ مع الحرص على تطبيق كل الإجراءات الإحترازية .؟
كيف يمكن -بحجة فشل وتعذر التعليم عن بعد – الدفع بالتلاميذ الى الخروج الى المؤسسات التعليمية بمناطق تعرف تزايدا مهولا في عدد الإصابات؟
يجب ان نقر اننا امام وضع لا نحسد عليه ، وقرارات لا محيد عنها نابعة من التفاوتات المجالية التي ينتشر بها الوباء ،و محدودية امكانيات المواطنين والدولة على حد سواء،
اليوم ليس وقت العتاب و تقييم منظومتنا التربوية ،وليس وقت التغامز والتلامز بين القطاع العام والخاص ، وليس وقت البيانات المضادة لبلاغات الوزارة ،
في تقديري ما يجب ان يتخذ من قرارات اتخذ بمرارة و بوعي انها قرارات ليست ناجعة مائة بالمائة ،ولكن ليس في الإمكان أحسن مما كان .
لذلك اقول لهيئات تصدر البلاغات ،انها مطالبة بالتعبئة لإنجاح الدخول المدرسي وتقديم مقترحات عملية تخدم مصير اولادنا بعيدا عن المزايدات.
نحن في حالة طوارئ ،ولابد من خسائر ،لكننا متشبتون بإستمرار الحياة وحق اطفالنا في التمدرس ،ولن نسمح لكورونا ان تقتل فيها حب الحياة .
فصبرا جميلا مع كثير من التعاون والتضامن و التضحية ،
والله المستعان.
فهل تعتبرون ؟














