“ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا” سورة الإسراء- الآية 85.
كم هو جميل ومريح ونافع أن نتدبر القرآن الكريم ونستدرك ونفهم معانيه ونستجلي العبرة منه كقدوة في سلوكنا ومداركنا. بدل ان نهيم في تفاهات وخرافات كرستها التقاليد والثقافات الرجعية المشؤومة والمدروسة مسبقا.
الزعم ان راحة الإنسان والمجتمع تكمن في ايلائه الأهمية القصوى للجانب الروحي (القلب) وتهميش العقل (العلم) بدريعة التقرب الى الله، هو اختيار وقرار، لا مناص، مجانب للصواب والعقل، حسب رأيي، اذا حاولنا فهم القرآن بالعقل وليس بالقلب والعاطفة والإحساس المفرط.
في نظري، من أهم أسباب تخلف وانحطاط وتدمر العقل العربي الإسلامي هو تجريد العقل من الإبداع والإجتهاد والإبتكار. وبالتالي وجب ترك الروح للروح (علاقتك مع الله).
لقد ولى زمن، علموا أبناءكم الرماية والسباحة وركوب الخيل. نحن في زمن، علموا أبناءكم العلم والإبداع والمعرفة. ربوا أبناءكم على الأخلاق الحسنة والقيم النبيلة والشخصية القوية، نعم الشخصية القوية، واتركوا لهم الحرية في الإختيار فيما يرونه ويقدرونه الأحسن بالنسبة لهم.
- معنى الآية (اجتهاد)
حسب رأيي والله أعلم، ليس من الصدفة، أن يقرن الله سبحانه وتعالى سلطته المطلقة على الروح وتشعباتها المثيرة والخاضعة لأمره، يقرنها بشساعة مساحة المعرفة ومجالات العلوم والأبحاث. سلطة العالي عز وجل على الروح تاتي لتوضيح وتأكيد عجز الانسان على الغوص في اغمار هذه الروح لمحاولة فهمها او شرح مضامينها. إذن، الروح، الإيمان، العقيدة، العلاقة مع الله، لا يمكن لأحد أن يجادل في معانيها او يجتهد في حيتياتها وتداعياتها. هي من أمر الله وهذا واضح ولا جدال فيه. وفي مقابل هذا، فالمعرفة العلمية عند الإنسان جد جد محدودة. هذا ما يعني ان الانسان، وجب عليه التركيز على المعرفة العلمية والعقل بدل الاهتمام والاجتهاد في ما يرتبط بالروح والقلب. ذلك أن المجال المعرفي غير محدود وعلى الإنسان دوما محاولة فك ألغامه بالبحث المستمر والإبداع والإبتكار. هذا هو المغزى في نظري لهذه الآية.
- تهميش العقل
تهميش العقل او تجريد الإنسان من العقل على حساب القلب أو الإحساس أو الميل العاطفي يؤدي حتما إلى الإتكالية والركون إلى الحتمية والكسل.
سبق لي وأن كتبت ان منهجية الإقتناع المبنية على تغييب العقل والقبول بالأمر الواقع والخضوع والخنوع لما ورد، بذريعة عدم التشكيك فيه، وتفادي المساءلة والبحث عن الحقيقة المقنعة والإرتياح لما هو مقنع ومقبول موضوعيا ومنطقيا، ومنسجما بذلك مع الأفكار والقناعات. هذه المنهجية مرفوضة ومنبودة لأنها تجرد الإنسان من أهم ما وهبه الله عز وجل، العقل.
الإجتهاد والمثابرة يجب أن تكون في مجال العلم والمعرفة، ما دام الله عز وجل ينبهنا بشساعته وامتدداته. أما الروح فهي من أمر ربي. ولا يجوز لأحد أن يدعي فهم تداعياتها. - تربية الناشئة
ليس هناك موضوع أسال المداد أكثر من موضوع التنشئة وبيداغوجية التربية. طبيعي أن يكون هذا الموضوع ذا أهمية بالغة بحكم أن الإنسان شغله الشاغل وهمه الأول والأخير هو تكوين وتربية الأبناء. السؤال، كيف؟
كل الدراسات والبحوث في هذا المجال تثبت وتتلاقى في أن أحسن وسيلة للإرتقاء بأطفالنا لأعلى المستويات هي أن نعدهم لكسب شخصية قوية. التحلي بشخصية قوية يعني التفكير المتريت والعقلاني والمفيد والذي يجعل صاحبه يتجاوز الصعاب ويحل المشاكل المستعصية. ولا شك أن هذا الأسلوب من السلوكيات يتطلب أساسا تحضير العقل والمنطق والموضوعية وبرودة الأعصاب والإحجام والتردد بدل الإندفاعية والعاطفية والتسرع والعفوية.
هنا يتضح جليا دور العقل في حسم الأمور، والإبتعاد كل الإبتعاد عن العاطفة (القلب). خاصة عندما يتعلق الأمر في الحسم في القرارات المصيرية المتعلقة بتربية ناشئتنا. - الواقع اليوم وتداعياته
اذا حاولنا ترصد وتحري ما يقع في جناب المعمور، نستشف فوارق بينة شاسعة ومستويات صارخة بين مكوناته. هناك مناطق جد ميسورة، تنعم بالثراء والغنى المفرط، وأخرى ما زالت تئن تحت وطأة التهميش والفقر المدقع. تتميز هذه الكتلة الميسورة خاصة بموارد بشرية جد متقدمة في التمدرس والتعليم. وتشكل نسبة البحث العلمي بها، بالنسبة للدخل القومي الخام أعلى المستويات. وتعتبر سياسة واستراتيجية المنضومة التربوية الرافعة الأساسية للإرتقاء بالمستوى الإقتصادي والإجتماعي. وتؤسس هذه المنضومة بهدف التحفيز على حب العلم والمعرفة من جهة، وعلى تنمية حس الإبداع والإجتهاد والإبتكار عند الناشئة.
مقابل هذا، نجد أن الدول الفقيرة تعاني من مستويات تعليمية نقيصة ودنيئة. بل يخيم على مخيلها الثقافي رسوبات تقليدية ومتجاوزة.
يبدو إذن أن الآية الكريمة، تضعنا أمام الأمر الواقع ولا خيار لنا عنه، وهذا واضح وواقع معاش. خيار لا يمكن الإستغناء عنه ولو ب”يوطة”. خيار العلم والمعرفة والإبداع والإجتهاد. خيار العقل والمنطق والموضوعية. وذلك من أجل إرساء وتأليف مجتمع راق ومسؤول. - الإرادوية وبناء المستقبل
العلم يحثنا على الدوام على التخطيط وبعد النظر من أجل تهيئ وإرساء المستقبل. بل الإستراتيجيات الكبرى ترصي التصورات والسيناريوهات ذات الأمد البعيد (ما يفوق عن 50 سنة). يستند علم التخطيط وبناء المستقبل على دراسة الوضع بجميع جزئياته ومكوناته من أجل فرز وتشخيص مكامن الضعف والقوة من أجل تفادي الأولى وتقوية الأخيرة.
ينبني كذلك علم التخطيط وبناء المستقبل على دحض وتفنيد الحتمية وتبني بالمقابل الإرادوية.
يجب على كل الشعوب التواقة لغد أفضل، أن تستحضر دلالة ومنفعة العلم والعقل في قاموسها الفكري والثقافي وتترك البعد الروحي والقلب لحكم الله عز وجل. ولا يمكن لأي مجتمع أن يتوخى مستقبلا منتعشا وراقيا إلا إذا استند في اختياراته وتصوراته على العلم والمعرفة بدل الإقرار بالحتمية والمنزل.














