لا يمكن إغفال دور التعليم في صناعة رقي المجتمعات، ولا يمكن القفز عن معياريته في تصنيف البلدان، لأن المجال التربوي هو ولادة جديدة للطفل الذي ٱنتقل من مؤسسة الأسرة، إلى حضن المدرسة، ليتخلص تدريجيا من ٱنتماء بيولوجي لصالح ٱخر ثقافي وٱجتماعي، تمده المؤسسة التعليمية بأبجدياته وأصوله، وعليه فإن هذه المؤسسة تقوم بدور حاسم في صناعة المرجعية الثقافية وفق توجهات الدولة وسياستها التعليمية، وهي بذلك تتجاوز منطق التعليم إلى الإدماج الاجتماعي للمتعلم في المجتمع، لينضبط بقواعده وخصوصياته، وإذا كان من المفروض أن تكون المؤسسة والأسرة منسجمتين في رسم معالم نفسية سليمة للطفل، فإن واقع الأسرة المهترئ يرخي بظلاله غير المرغوب فيها على المتعلم، الذي تصدر عنه سلوكات عدوانية أو ٱنطوائية…تعتبر في علم النفس ردود أفعال لعنف أسري تلقاه، وفي هذا الصدد تتحمل المدرسة في شخص الفاعل التربوي تحديدا، عبء تردي أوضاع الأسرة، فأطفال ينتمون لأسر تعيش على وقع الإهمال أو العنف أو الإقصاء والتهميش…، لا شك سيكونون خارج العملية التربوية في صورتها المثلى، حيث يصير المدرس مطالبا بالتعامل بحساسية تتلاءم مع وضع نفسي يجهل أسبابه، لأن التلميذ في نهاية المطاف هو منتوج ٱجتماعي لتنشئة تعتبر الأسرة عمدتها، وبعدد التلاميذ في الأقسام المكتظة، تتراكم معاناة المدرس، الذي يجب أن يتحول إلى إنسان جامد، يتخلى عن بشريته ليؤول إلى ٱلة لا تتعب، ولا تنفعل، ولا تتأثر، مطالب دوما بالصبر، وأن يكون مربيا قبل أن يكون غير ذلك.
إن الفعل التربوي ليس فعلا عفويا، فالعملية التربوية عملية علمية، فإذا كانت ٱلة الإنتاج في المصنع لها طاقة محدودة، وتستوجب صيانة بعد مدة من ساعات الاشتغال، فان “ٱلة” الفعل التربوي الذي هو المدرس، من النادر جدا أن نتساءل عن الحد العلمي من عدد المتعلمين الذي يمكن أن يستوعبهم فعله التربوي، بل على العكس من ذلك تماما، تعيش مؤسسات عدة على وقع ٱزدحام لا يليق بهدوء المعرفة، وعليه ترتمي العملية التربوية في أحضان لا علمية، لا ترتقي إلى درجة مشروع تأهيل الإنسان معرفيا وثقافيا وأخلاقيا، وهذا ينتج ٱثارا سلبية على المدرس نفسه، وعلى المتعلم بصفة حتمية، ذلك أن الفاعل التربوي يعيش على إيقاع ٱحتراق ٱجتماعي ونفسي، يحترق يوميا في عملية تتجاوز طاقته، بل وتستدعي منه القيام بأدوار الدعم النفسي والتخفيف من الاحتقان بما أوتي من مهارات ذاتية، وما راكمه من تجربة السنين، وهو في الغالب لا يتلقى أي ٱعتراف من محيطه القريب، فما بالك بما هو بعيد، كما أن الضرر يلحق التلميذ أيضا، خصوصا ذلك الذي يمتلك مكتسبات تجعله يساير التعلمات، حيث يتيه بين الجموع، لتعلن البيداغوجيا الفارقية فشلها أمام كثرة المتعلمين.













