مرّ تخليد فاتح ماي 2026 في عدد من المدن المغربية بأجواء باهتة، مع تسجيل تفاوت طفيف في نسب المشاركة من مدينة إلى أخرى، دون أن يحجب ذلك القاسم المشترك المتمثل في ضعف التعبئة مقارنة بسنوات سابقة. هذا المعطى يطرح سؤالا مركزيا حول مدى استمرار ثقة الطبقة الشغيلة في الإطارات النقابية، خاصة في ظل سياق اجتماعي يتسم بارتفاع الأسعار وتزايد الضغط على القدرة الشرائية.
ورغم توحد مختلف النقابات حول مطلب دعم القدرة الشرائية، عبر الدعوة إلى الزيادة في الأجور وضبط الأسواق، فإن هذا الإجماع لم يترجم ميدانيا إلى حضور قوي. فقد بدت المسيرات في عدة مدن متفرقة ومحدودة، في مؤشر يوحي بوجود فجوة بين الخطاب النقابي وانتظارات فئات واسعة من الشغيلة، أو ربما بتراجع الإيمان بجدوى الفعل النقابي في تحقيق نتائج ملموسة.
كما أن الشعارات المرفوعة لم تخرج، في أغلبها، عن نفس القوالب التقليدية التي رافقت محطات سابقة، في وقت يشهد فيه الواقع الاجتماعي تحولات متسارعة وتحديات أكثر تعقيدا. هذا الثبات في الخطاب، مقابل تغير السياق، يعزز الانطباع بوجود حالة من الجمود، قد تفسر جزئيا فتور التفاعل مع هذه المناسبة.
في المقابل، تؤكد القيادات النقابية أن الظرفية الحالية استثنائية، عنوانها الغلاء وتآكل القدرة الشرائية، ما يستدعي إجراءات حكومية عاجلة تشمل تحسين الأجور، تخفيف العبء الضريبي، ومراقبة الأسعار. غير أن تكرار نفس المطالب سنويا دون أثر واضح على الواقع اليومي، يطرح تساؤلات حول نجاعة آليات الضغط المعتمدة، وقدرتها على التأثير.
ولا يمكن عزل هذا الحضور المحدود عن كونه، بشكل غير مباشر، اختبارا ميدانيا للأحزاب السياسية المرتبطة بالنقابات، والتي سعت إلى تعبئة قواعدها عبر مختلف الجهات. غير أن ضعف الاستجابة يعكس مؤشرا على تراجع الثقة، ليس فقط في الفاعل النقابي، بل في الفاعل السياسي بالدرجة الأولى، بالنظر إلى تشابك الأدوار والمسؤوليات بين الطرفين.
وفي هذا السياق، يبدو أن ضعف التعبئة في مناسبة رمزية بحجم فاتح ماي قد يحمل دلالات أعمق، تتجاوز اللحظة الظرفية، ليشكل مؤشرا أوليا على ما قد تعرفه الاستحقاقات المقبلة، في حال استمرار نفس أساليب العمل والتواصل. فالعزوف المحتمل لن يكون وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات تتطلب مراجعة حقيقية، تقوم على تجديد الخطاب، وتفعيل البرامج، وفتح المجال أمام فئات جديدة، خاصة الشباب.
وبين استمرار المطالب الاجتماعية وفتور الحضور الميداني، يظل السؤال مطروحا: هل تعيش النقابات أزمة تمثيلية؟ أم أن التحولات المجتمعية أفرزت أشكالا جديدة للتعبير لم تعد المسيرات التقليدية قادرة على استيعابها؟ في كل الأحوال، يكشف فاتح ماي 2026 عن لحظة تقييم حقيقية لمسار العملين النقابي والسياسي في المغرب.
20 دقيقة : هيئة التحرير














