انطبع الإبداع الفني عادة بطابع ذاتي يحيل على الفنان نفسه، وبذلك ظهرت الأعمال الفنية لصيقة بأصحابها الذين أبدعوها، وفي هذا الصدد ٱشتغلت السيكولوجيا على دراسة وتحليل الإبداع و العوامل المؤثرة في التأسيس له، كما ٱعتنت بتتبع الموهبة والعبقرية في شخصية الفنان متابعة بحثية، وعلى هذا المنوال تواترت الدراسات السيكولوجية كاشفة كنه العملية الفنية في شقها النفسي، تحلل شخصية الفنان و عوامل تفوقه، إلا أن الفن يظل غير ذي قيمة إذا لم تحتضنه الجماعة الاجتماعية، فلا قيمة لمسرحية دون جمهور، ولا لقراءة شعرية علنية دون ٱذان مصغية، فالقصيدة الشعرية تزداد بهاء إذا ٱنتزعت تصفيقات الحضور إعجابا، بدل أن يقرأها القارئ بمفرده منزويا في صمت وحدته، وهكذا تعن أهمية علاقة الفن بالجمهور خاصة، وبالمجتمع عموما، وعليه فإن السوسيولوجيا لا تنظر إلى الفن بكونه عملا ذاتيا، وإنما تنظر إليه على أنه يكتسي طبيعة ٱجتماعية، فإذا كانت النظرية العلمية تعلن عن “الأنا” حين تجعل مبتكرها متربعا على منصة الشهرة والشفوف، فإن الفن يعبر عن “النحن” الاجتماعي، ذلك أن زخرفة أو لونا موسيقيا …
يصير هوية جماعة معينة، وخصيصة منطقة دون أخرى، وهكذا تتوارثه الأجيال ليصير ثابتا من ثوابت التراث، وقد تكون ٱنطلاقته بيد مبدع فرد أخرجه إلى الوجود.
إن الدرس السوسيولوجي يطرق مباحث لا يستهان بها وهو يحف العملية الإبداعية بالدراسة والبحث، فالفن من منظور علم الاجتماع يعبر عن حال الفكر لجماعة بشرية معينة، والإنتاجات الفنية توثق لتحولات مجتمعية، وهو أيضا يكشف علاقات التفاعل الاجتماعي الطبقي في مسألة الذوق الفني، حيث يتأثر الاصطفاء الذوقي لعمل فني دون ٱخر بالانتماء الطبقي، والمستوى التعليمي، وكذا بالتمايز في العمر والجنس، كما تحضر القوى المتحكمة في المجتمع عاملا حاسما في الحكم على إنتاج فني بالنجاح ليسلط عليه الإعلام أضواءه فيأخذ حظا وفيرا من الظهور، وعلى ٱخر بالإقصاء والتهميش ليبقى حبيس مٱل الضمور، وعليه تلح السوسيولوجيا أن الفن لا تكفي فيه العوامل الذاتية ليلقى نهاية التألق بعد طريق الإنجاز، وإنما يحتاج الفنان إلى رضا ٱجتماعي، وٱلتفاف عوامل خارجية لضمان نجاحه، وبذلك يصير الفن تعبيرا عن الجماعة في تفاعلاتها وٱختياراتها، وليس محيلا فقط على ذات الفنان المفردة، وفي هذا الإطار أسهمت نظريات عدة في ٱستنطاق الفن سوسيولوجيا، مسائلة الأعمال الفنية من خلال مقاربة النوع، ذلك أن التاريخ الأوروبي لم يتح للأعمال الفنية النسوية فرص التألق مقارنة مع ما أنتجه الذكور، ليدخل الفن نفق المساءلة على أساس المناصفة، كما كشف الدرس السوسيولوجي تأثر الأعمال الفنية بالمال والإعلام، لتبقى الموهبة والعبقرية حبيسة تأثير محدود، ما يفيد أن الفنان يصنع ٱجتماعيا، وهنا تصير الضرورة ملحة من أجل دراسة سوسيولوجية تحفظ للعملية الفنية فرادتها وقوتها الداخلية النابعة من ذاتية الفنان، عوض أن تكون ضحية العلاقات الاجتماعية وتفاعلاتها التي لا تحتكم إلا للأقوى وصاحب النفوذ، وعليه فإن المجتمع مدعو إلى صيانة الحالة الإبداعية من تدخله السلبي، وٱحتضان الإبداع في بعد يخدم قضاياه و ٱختياراته الحضارية دون تمييز بين أفراده.













