لم أكن محتاجا إلى أكثر مما يحصل في حكومة الفخفاخ المسبوقة بالتعاون الوثيق بين الشاهد وسعيد لتصبح أدلة ما افترضته لتفسير ظاهرة الثاني وشرط تطبيق مشروعه بالتعاون بين فرنسا وإيران في لبننة تونس.
فهو مشروع يهدف كما أسلفت إلى جعل تونس قاعدة أولى مثل لبنان في الشرق لتحقيق غاية إيران من استكمال الهيمنة على الأقليم السني مشرقا ومغربا. ومن يغفل عن هذه العلاقة لا يمكن أن يفهم ما يجري في تشكيل الحكومة.
وكان يمكن أن أعلل الحلف المتين بين فرنسا وإيران في المشروع بهذه العلاقة وحدها ووصلها بتاريخ العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في العصر الوسيط ودور فرنسا والباطنية في الحروب الصليبية.
وكان يمكن أن أصل الأمر بعلاقة الخميني بفرنسا. فالجميع يعلم من أين جاء للحكم في عهد جيسكار ديستان. وقد كنت خلال حياتي الطالبية في باريس مطلعا على الجماعات الإيرانية فيها وكيف كانوا يحظون بعناية كبيرة من المصالح الفرنسية.
بل وحضرت بعض ندواتهم. وكنت على علاقة ببعض طلبتهم مثل أحد الطلبة وزوجته اللذين كانا يعملان على صاحب الأسفار الاربعة. ذلك أني كنت ذا هوس بفهم طبيعة العلاقة بين عدوي الإسلام في كل تاريخه منذ اليوم الاول في الشرق وفي الغرب: والرمزان هما “الفرنجة” في الغرب و”الفرس” في الشرق.
لكن ذلك لن يشفي غليل من يستخف بالتاريخ ويريد أدلة من الحاضر ولا يعنيه دور الباطنية وحلفهم مع الصليبيين ومغول الشرق والاسترداديين من البرتغال والاستعمار الأوروبي عامة ومغول الغرب الذين يحتلون بلاد الإسلام كلها من اندونيسيا إلى المغرب حاليا.
فالماثل للعيان من الأحداث أكثر قابلية للفهم المباشر وغني عن الحاجة إلى أدلة من التاريخ قد تصبح محل خلاف تأويلي لن يمكن من الإقناع. ولما كنت أعلم أن الشباب قلما يقرأ المطولات فسأكتفي بالقرائب وأترك البعائد جانبا.
فلست بحاجة لإثبات ما أقوله عن إيران في لبنان وفي الهلال وحتى في اليمن وفي كل محميات الخليج الاسرائيلية الامريكية نزولا من الكويت إلى الإمارات ومرورا بما بينهما. فهذا الامر ناطق بذاته ولا يحتاج إلى الاستنطاق وبين بنفسه ومن ثم فهو غني عن التأويل.
كما أني لست بحاجة إلى الكلام على تقاسم السلطة في لبنان بين فرنسا التي تقف وراء الرئيس الكاراكوز لدعمه وإيران التي تقف وراء “الممانع” لدعمه وهو قد صار حبيس الداموس بعد أن انكشفت حقيقته للقاصي والداني.
أصبح ذلك بينا لكل ذي عقل وخاصة بعد القضاء على زعيم السنة فيها وتخلي السعودية على مساعدتها بسبب الأحمق الذي استبد بالحكم فيها والذي يمول الاحتلال الفارسي والروسي للهلال كله ولا يدري أنه يعد لاحتلال الحرمين من إيران بعد القدس من إسرائيل.
كما أني لست بحاجة لإثبات علاقة رئيس لبنان ببقايا الصليبية فهو ليس من مسيحي الشرق أي من الغساسنة بل هو نطفة فاسدة من الصليبيين وعلاقة حزب الله ببقايا الباطنية وصلة ذلك بالحلف القديم خلال الحروب الصليبية دور فرنسا وباطنية مصر التي انتقلت إليها من تونس لبيان الصلة بالماضي.
لكن ما يقد يفهمه الغارقون في الحاضر هو ما تعاني منه فرنسا الآن في أفريقيا ليس بسبب وعي الأفارقة بالنهب الفرنسي حتى بعد الاستقلال الصوري من استعمارها فحسب.
بل لأن الصين تكاد تخرجها منها ولأن خروجها من المغرب الكبير وخاصة من تونس والجزائر تعني نهاية وجودها في افريقيا وفقدانها ما بفضله تستطيع أن تبقى بنحو ما قريبة من الندية ما ألمانيا التي استعادت شروط عظمتها.
فرنسا إذن تبحث عن حليف في تونس وفي ليبيا وفي الجزائر وفي المغرب. لكنها لا تكتفي بإسرائيل لأن هذه قد تنتجح في التطبيع مع الحكام ونخبهم التابعة لكنها لا تستطيع التطبيع مع الشعوب بخلاف إيران.
فهي تدعي الإسلام وحب آل البيت فيسهل عليها مخادعتهم رغم أن العارفين بتاريخ التشيع يعلمون أنه العدو الألد للإسلام وللدين ولكل ما هو روحي لأن فكره العميق ليس إلا خليط من الزرادشتية واليهودية جمعا بين عقيدتي الأسرة المختارة والشعب المختار.
ولأعد الآن إلى دلالة الحلف الوثيق بين الشاهد وسعيد. فلو كان الشاهد كما ادعى في خيانته للسبسي يريد حماية الفصل بين رأسي السلطة التنفيذية وتخليص القصبة من تدخل قرطاج لما أصبح سعيد يرتع و”يبرطع”.
فقد صار مسيطرا على سياسة الشأن الداخلي أمنا واقتصادا ومراقبة بحيث صار يوهمه بأنه وزير أول لديه وليس رئيس حكومة يستمد شرعيته من باردو وليس من قرطاج. وطبعا فالشاهد يتبع نصائح من “المقيم العام” في تونس.
المقيم العام يعلم بدقة مؤكدة حقيقة مشروع سعيد ويعلم أن فرنسا بحاجة إلى ما يشبه حفتر في ليبيا. وهم يعلمون أن أتباع حفتر في تونس كثر وهم أول من نادى ب”حكومة الرئيس” وشرعيته الأهم من شرعية المجلس. ومن ثم ففرنسا وجدت ضالتها وحميرها التي ستركبها كما تفعل مع حفتر في ليبيا.
وهكذا فالثاني الموجود في لبنان تحقق في تونس. لكن الاثبات في علاقة قيس بالشاهد قد يبدو كثير التجريد. لذلك فالدليل القاطع تحقق مع “الفخفاخ”. أولا في تعيينه ثم في تشكيله للحكومة واعلانه صراحة أنه وزير أول وليس رئيس حكومة لمجرد دعواه استنمداد شرعيته من الرئيس وليس من مجلس النواب.
لماذا الفخفاخ يمثل مصدر الأدلة القاطعة لاثبات الحلف الصريح الأن. قد لا أستطيع بيان ما افترضته من أن تعيينه كان بهافت ليلي جاء من ماكرون. فلو كان الهاتف عديم الصلة بالتعيين ويهم لقاء برلين لحصل مباشرة بعدها ولم ينتظر ليلة الحسم فيه.
لكن ذلك يبقى فرضية ليس لي عليها دليل رغم رجحانها لأن ماكرون لم يكن ليهاتفه ليلة الحسم في التعيين من أجل إبلاغه نتائج لقاء برلين أو للسؤال عن صحته. لذلك فلا بد من أدلة قاطعة لا جدال فيها.
وهذه الأدلة كثيرة سأكتفي بما بلغ حد اللامبالاة بالحد الأدنى من “التقية” لأنها صارت مفضوحة يدركها أي ملاحظ مهما كان فاقدا لأدنى شروط الموضوعية والعقلانية. ولا يوجد إنسان مهما كان “دو موفاز فوا” يمكن أن يخفيها أو أن يجادل فيها.
وسأكتفي بذكرها عناوين كلها تبين أن الرئيس ليس خائنا لتونس فسحب بل هو أكبر كذاب لأنه يغطي على الأكايب الخمسة التالية وهي أكاذيب في ذاتها لكنها أكاذيب بالمقابل مع ما يدعي تمثيلة واستعمله في حملته وفي تصريح التنصيب:
1-التطبيع: ألم يقل إن التطبيع “”خيانة عظمى” وأن تونس في عهده توجد في حالة حرب مع إسرائيل؟ كيف يفسر قبوله من وزيره الأول المتوقع تعيين مطبعين؟
2-الاستقلال: ألم يقل إنه ضد التحزب ويريد مستقلين في إدارة الشأن العام؟ كيف يفسر أن العشرة “المستقلين” في التشكيلة كلهم من أحزاب معلومة للجميع؟
3-النظافة: ألا يدعي تمثيل النظافة والطهرية وأنه سيحارب الفساد فكيف يقبل التعامل مع أفسد رئيس حكومة عرفته تونس إلى حد يعتبر وزراء ابن علي أمامه من ص”الصحابة” الراشدين؟
4-الثورة على السيستام: ألم يقل إنه ضد السيستام؟ هل يوجد أكثر انتسابا للسيستام من حزب فرنسا الذي يواصل الحماية ويزيدها الاستعمار الثقافي الذي لم يكن موجودا في عهد البايات؟
5-الوطنية: واخيرا هل يمكن أنت يصدق أحد أن الحائزين على الجنسية الفرنسية هم أولى الناس بأن يحكموا تونس وألا يجد بين أكثر من عشرين حزبا في المجلس من فيه من هو أهل لأن يكون رئيس حكومة فيختار دمية فرنسة؟
اعتقد أن هذه الأدلة القاطعة والماثلة للعيان غنية عن الإطالة في الشرح والاستدلال. واحترامي لعقول التونسية يحول دوني ومزيد الشرح. لأن من لم يفهم فهو إما متعام بقصد أو فاقد للبصيرة.
وفي هذه الحالة فلا يمكن إلا أن يكون واحد من خمسة:
1-تابع لا يفكر بنفسه وهم في الغالب موجودون في كل الشعوب ويسمون عادة عضاريت القوى السياسية أي عبيد المافيات.
2-توابع حزب فرنسا من جنس حزب الشاهد وحزب الفخفاخ وحزب البسكلات مع التمييز بين القايدة وا لقاعدة التي قد تكون على حسن نية متعقدة أن الحزب حداثي وديموقراطيى. لكن القيادة أبا عن جد وخاصة رئيسهم من جنس حركيي الجزائر.
3-توابع حزب البراميل وهنا أيضا لا بد من التمييز بين القاعدة والقيادة. فهؤلاء لا يختلفون عن “مارين لوبان التونسية” أو عبير التي هي عدوة بورقيبة وتعمل باسمه أصلا تجاريا مثلما هم يعملون بالقومية العربية اصلا تجاريا.
4-مليشيات الملالي التي تخترف جل المنظمات المدنية والثقافة والاحزاب وهي مليشات قلم ومليشيات حشد شعبي يستعدون لتلقي الامر. وقد تلقوه أول البارحة.
فخطاب الرئيس بحضور قائدي الاتحادين تضمن جملة مشفرة ختم بها كلامه على احترام الدستور-يقصد المكتوب على الجدران- هي “ومن اراد تاريخا جديدا لتونس فالابواب مفتوحة أمامه” وهي دعوة لتحريك الشارع شديدة الوضوح.
5-أخيرا كل الذين يزعمون “الموضوعية العلمية ” ويطالبون بالدليل على أن الرجل قد خدع الجميع وأن مشروعه هو ما وصفت منذ البداية. وأكتفي ختاما بالقول إني أحمد الله أن الرجل فضح نفسه بنفسه ولم يعد أحد من الشعب يصدقه إذا ما استثنينا هذه القلة من المنتقلين من فرنسا وإيران وهم بوهم على خوهم صفر فاصل.
ولولا الفضلات لكانت هذه الاحزاب قد دفنت مع الجبهة. فمثلا حزبا البسكلات والشعب كل منهما ليس عنده أكثر من نائب أو نائبين. والبقية ليس لهم أدنى نائب . لكن الرئيس القانوني جدا والنظيف جدا والظاهر جدا يريدهم هم أن يقودوا السفينة.
فمشروعه يقتضي لبننة تونس حتى تصبح قاعدة للملالي. ومن ثم فلا بأس من التساند المتبادل بين عبيد إيران وعبيد فرنسا في تونس التي يريدونها “لبنان الغربية” كما هو الوضع في “لبنان الشرقية”.
وبخلاف الظاهر ففي هذه المهمة الحلف الاعمق هو بين فرنسا وإيران وبين عرب الثورة المضادة وإسرائيل. والسند الدولي بين: فروسيا التي تسند إيران وأمريكا التي تسند إسرائيل تراقبان كل إمكانية لاستئناف الإسلام دوره التاريخي لمنع ذلك بكل ما أوتيا من قوة.
وذلك هو جوهر مشروع سيايكس بيك الثانية الذي يعملان على تطبقيه وتحقيق دولة إسرائيل الكبرى ومحو كل اثر لفلسلطين التي يردد الرئيس أكاذيب الممانعة التي بيع الكلام للعرب وتحتيل أرضهم
تونس في 20.02.16














