منذ انطلاقا وسائل التواصل الاجتماعي و المنصات الرقمية و انتشار الهواتف الذكية خلال العقدين الاخيرين في العالم عامة و المغرب خاصة طفت على السطح ما يمكن ان نسميه بالبدائل الرقمية، فالجرائد الورقية زاحمتها الجرائد الالكترونية ثم المدونات و البلوكات و غيرها لدرجة اصبح من الناذر ان تمسك بجريدة او مجلة ورقية باستثناء ان كنت في مقهى شعبي او تنتظر دورك عند طبيب اسنان، بل زادت حدة الوضع بتوقف عدد من الجرائد العتيقة و افلاسها، نفس الشيء طال السينما و دور كراء الكاسيط الفيديو بعد سيطرة اليوتوب و نيتفليكس و غيرها، و اصبح السيدي من الكلاسيكيات و شريط الفيديو كاسيط من التراث، و بين ذلك و ذاك طفت على السطح ملايين البرامج و الاغاني و الافلام و روتيني اليومي، فاختلط الحابل بالنابل و اصبحنا في سوق ليس له نهاية من المنتوجات المتنوعة بين الجميلة المفيدة و بين السطحية و التافهة.
و لعنا سنتفق انه ان كنا سنختار شعارا للمرحلة فلن نجد أفضل من شعار التفاهة، فامتلاكك لكيبورد و صبيب انترنت ب 10 دراهم يعطيك الحق في ان تنتج محتوى تقذف به في بركة الويب الآسنة، و انتظر صيدك، اعجابات و مشاهدات، هي كل ما تحتاجه لتضفي الشرعية على محتواك.
الغريب في الامر هو ان المغاربة باجماع ينددون بالتفاهة و يدعون الى الضرب بيد من حديد على صناعها، و لكن المغاربة باجماع يشاهدونها !
و هو نفس ما كنا نعيشه من تناقض قبيل الانفجار الرقمي و الذكاء الصناعي، فالجميع كان ينتقد مثلا نماذج من الافلام السينمائية بحجة انها تنشر الايباحية أو تسيء للدين و القيم الاخلاقية، لكن اصحابها يعودون لانتاج مثيلاثها، ببساطة لانهم كانوا يتربحون من وراءها، فمن كان يشتري التذاكر و يجلس في صالات العرض ؟!
باطلالة بسيطة على بعض انتاجات العالم الرقمي ستتضح الفكرة: المتتبعون لقناة “نيبا”هم 984 الف متابع،بعض الفيديوهات يتجاوز عدد مشاهداته 4.5 مليون مشاهدة، قناة مي نعيمة يتابعها 473 الف متابع، بعض الفيديوهات يتجاوز عدد المشاهدات 1.3 مليون مشاهدة، و هم شخصيات يكاد يتفق الجميع على انهم من ناشري التفاهة، لدرجة ان هذه الاخيرة _مي نعيمة_ تقضي عقوبة سجنية بسبب ما صرحت به في احد فيديوهاتها بجهل حول تحديها لإجراءات الحجر الصحية، في حين ان بعض قنوات اليوتوب ذات المحتوى الهادف تعرف العكس، فمثلا قناة نجيب المختاري و هي قناة لتبسيط العلوم لا يتجاوز عدد المتابعين 192 الف متابع، اكثر فيديو مشاهدة كانت هي 500 الف مشاهدة،و فيديوهات لمحاضرات عبد العروي او محمد عابد الجابري لا تتجاوز بضعة آلاف من المشاهدات (مثلا برنامج في الواجهة في استضافة عبد الله العروي لم يتجاوز 77 الف مشاهدة منذ أربع سنوات).
أن اما اذا ألقينا نظرة خاطفة على الطوندونس المغربي ستجد العشرة الاوائل دائما تنحصر بين أغنية شبابية او مقلب او حلقة سيتكوم هي نفسها من يدعوا المغاربة في الضفة الاخرى من الويب بمقاطعتها لما لها من سلبيات على تربية الابناء.
و لنعطي مثلا آخر نقترح اطلالة سريعة على برنامج: في قفص الاتهام لصاحبه مصطفى الرمضاني، و ذلك راجع لان هذا البرنامج يمكن اعتباره نموذجا استضاف عددا من الشخصيات العامة المتناقضة، من أقصى الثقافة و المعرفة الى ادنى التفاهة و السطحية، لكن نسب المشاهدة تحيلنا الى ما سبق: حلقة الشيخة الطراكس 4.8 مليون مشاهدة (سنة) حلقة ادومة 5.8 مليون مشاهدة (سنتين) حلقة رضوان بن عبد السلام 10 مليون مشاهدة (سنتين) حلقة الراقصة مايا 4.6 مليون مشاهدة (سنتين)، في حين ان حلقة نجيب المختاري 400 الف مشاهدة فقط (سنة) حلقة عمر بلافريج 700 الف مشاهدة فقط (3 سنوات) حلقة عائشة الشنا 200 الف مشاهدة (سنة) حلقة هشام العسري 200 الف مشاهدة (سنتين)و حلقة الدكتور عبد الصمد الديالمي 48 الف مشاهدة (5 سنوات).
اذن فالمجتمع المغربي هو من يشجع التفاهة او ما يعتبره تفاهة على الاقل، لكنه في نفس الوقت يشجعها و يغذيها بعدد المشاهدات و المشاركات، في حين يقتل المحتوى الهادف، لماذا اذن؟ ببساطة لان التفاهة: ممتعة و خطورتها في لذتها، كالمخدرات مثلا، الجميع يتفق على خطرها و ضرورة منعها، لكن الكثير يدمنونها، لان خطورتها تكمن في لذتها و متعتها، و لعل هذا ما يفسر السبب الذي يجعل شعب الويب، يتابع قناة او محتوى معين، لكنه سرعان ما يدعوا الى التبليغ عنه او الى محاكمته، اذا ما تجاوز صاحب المحتوى حدود اللياقة و بدل تقديم المتعة تجاوز الخط الاحمر الى ما تؤمن به الغالبية كما حدث مع مي نعيمة .
أظن أن المتعة هي المحرك الرئيسي لمحتوى الويب، و هو ما وصل اليه الصناع بمعرفة او بالصدفة، لذلك نرى في هذا العالم الافتراضي أشخاصا يدعون انهم صحافة يحملون ميكروفونات و يجوبون الشوارع ليس بحثا عن الحقيقة و انما عن المتعة، سواءا كانت فضيحة او اشاعة، فيبروزون بها عناوينهم من قبيل: هاعلاش …؟ فضيحة فلان الفلاني.. أجي تشوف اش وقع … و هو ما غفل عنه أهل الثقافة و المعرفة، فهل من الصعب ان نجعل المحتوى هادفا و ممتعا؟ أكيد ان التفاهة أسهل على مستوى الانجاز، و لكنه ليس مبررا.
انا ضد إغلاق قناة مي نعيمة و با علال فقط بحجة أنها تنشر التفاهة،التفاهة لا تحارب بالمنع،فمحب التفاهة سيبحث عنها إلى أن يجدها، التفاهة تحارب بالمنافسة، بأعمال راقية،ليس بالضرورة تناقش النظام الرأسمالي المتوحش، أو سوسيولوجيا المعرفة، أو الجيومورفولوجيا البنيوية بل من الممكن أن تعالج مواضيع معقدة كانت او بسيطة بساطة حياة مواطن معدم فقط إذا تم معالجتها بشكل و اسلوب يحتاج من مبدعه العمل بجد و تفاني و كأنه يخلق،لا بل هو يخلق فعلا، فاحسنوا خلقكم رحمكم الله.توفيق أفقير














