تزايدت خلال السنوات الأخيرة عمليات تهريب الممتلكات الثقافية عبر شبكات دولية معقدة تستغل الأزمات والحروب لنهب القطع الأثرية وبيعها في أسواق عالمية مربحة. وفي العام الماضي، صودرت أكثر من 37 ألف قطعة ثقافية خلال عملية مشتركة بين الإنتربول وجهات أمنية من 23 دولة، شملت آثارا وأعمالا فنية وعملات وآلات موسيقية.
وتُظهر بيانات الإنتربول أن سلطات الجمارك في أوكرانيا أحبطت محاولات تهريب عشرات القطع التاريخية إلى عدة دول مجاورة، فيما كشفت الشرطة الإسبانية مجموعة كانت تنهب مواقع رومانية قديمة وتبيع العملات الأثرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وفي اليونان، أُلقي القبض على ثلاثة أشخاص حاولوا بيع أيقونات بيزنطية مقابل 80 ألف دولار.
ويضع مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة هذا النوع من التهريب ضمن أكثر الأنشطة الإجرامية ربحية، إلى جانب تجارة الأسلحة والمخدرات، خصوصا في ظل ارتفاع الطلب العالمي وضعف القوانين المنظمة لهذا القطاع في عدد من الدول.
ومع احتدام النزاعات وعدم استقرار العديد من المناطق، تصبح المواقع الأثرية والمتاحف هدفا سهلا للجماعات الإجرامية التي تستغل غياب الحماية لسرقة القطع الأثرية وشحنها عبر شبكات تمتد من الأسواق السوداء إلى المزادات العالمية.
وتقول كريستا بيكات من اليونسكو إن الاتجار بالممتلكات الثقافية ليس مجرد جريمة سرقة، بل اعتداء مباشر على الهوية الثقافية والذاكرة الجماعية للشعوب. وأشارت في حديث للأمم المتحدة إلى أن المهربين باتوا يلجؤون إلى الإنترنت والمنصات الرقمية لبيع القطع المسروقة، بما في ذلك تلك المنتشلة من مواقع أثرية مغمورة بالمياه.
وفي أكتوبر الماضي، أعلنت اليونسكو إدانتها لسرقة ثماني قطع ثمينة من متحف اللوفر في باريس، معتبرة أن هذه الجرائم تهدد إمكانيات دراسة القطع التاريخية والمحافظة عليها.
وتحذر المنظمة من أن الاتجار غير المشروع يمول شبكات الجريمة المنظمة، ويغذي أنشطة غسل الأموال والتهرب الضريبي وتمويل الإرهاب. ومنذ عام 2023، قامت اليونسكو بتدريب أكثر من 1200 مختص في الجمارك والمتاحف من 80 دولة لتعزيز آليات الحماية والاسترداد.
وتعمل المنظمة أيضا على إدماج التكنولوجيا الحديثة في ملاحقة المهربين، من خلال التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتطوير أدوات تعتمد على التكنولوجيا النووية لتحديد مصدر القطع، إلى جانب تسخير تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي خطوة رمزية، أطلقت اليونسكو أول متحف افتراضي عالمي للقطع الثقافية المسروقة، باستخدام تقنيات ثلاثية الأبعاد والواقع الافتراضي لعرض النسخ الرقمية للقطع المفقودة. وتضم المنصة شهادات من المجتمعات المتضررة ومعلومات تعليمية وعمليات استرداد ناجحة، على أمل أن يصبح المتحف “فارغا” ذات يوم بعد استعادة جميع القطع.
وتروي بيكات مثالا من إستونيا، حيث سرقت منحوتات تعود للقرن السادس عشر من مذبح كنيسة صغيرة، موضحة أن قيمة هذه التحف ليست مادية بقدر ما هي جزء من التاريخ والروح الجماعية للمجتمع الذي فقدها.
وتواصل اليونسكو دعم الدول في مسار استرداد القطع، خاصة تلك المهربة من آسيا الوسطى وأفغانستان، فيما تساهم الأدوات الرقمية الحديثة مثل قواعد البيانات والبلوك تشين في تتبع مسارات القطع المسروقة.
وتدعو السلطات المشترين إلى الحرص على التثبت من وثائق المنشأ وتجنب التعامل مع البائعين المجهولين، مع إمكانية التبليغ عن أي قطعة مشبوهة لدى الجهات الأمنية أو عبر الإنتربول.
فكل قطعة أثرية تستعاد، كما تقول المنظمة، هي جسر يعيد وصل الحاضر بالماضي ويحمي ذاكرة الشعوب من الضياع.
20 دقيقة : حمزة بوزرودح عن الامم المتحدة












