على سبيل القول

22 نوفمبر 2021
على سبيل القول

في العمل منطق الانتقاء لا محالة واقع، فالمشغل يحرص على مصلحته أولا، ثم يظهرها في شروط ٱنتقائية يلف بها من يود أن يكون شريكا وظيفيا في تنفيذ ما خطه من أهداف، فالعلاقة المطردة بين العامل وأهداف مشغله هي الكفاءة، فالقدرة على تنفيذ الأهداف والوصول إليها عنصر مطمئن لرب العمل، وللتنظيم في جميع المجالات، سواء كان شركة أو مقاولة أو مؤسسة عمومية أو خاصة، ولذلك مع آنتقال المجتمع الأوروبي من مجتمع زراعي عفوي بسيط إلى مجتمع صناعي معقد، ظهرت البوادر الأولى للفكر الإداري، حيث إن الأعمال صارت أكثر تخصصا مع ظهور المصانع، وكذا توسع الرأسمالية التي لا تؤمن إلا بالربح، ولا تدين إلا بقاعدة: المال يلد المال، ولذلك برزت أولى النظريات التي تحدثت عن شروط آنتقاء العمال، وكذا أدوات مراقبتهم وحفزهم إلى مزيد من الإنتاج، إلا أن الكفاءة تختلف بين ماهو بدني حرفي، وبين ماهو ذهني فكري، فبعض المهن متطلبة لقوة الفكر، وبلاغة التواصل ، وبعضها مستدع لقوة البدن وكثير الجهد.
إن آشتراط التفوق الدراسي عنصرا مهما في مهن التدريس فيه كثير نقاش، لأنه لا يمكن الجزم بظهوره أول مرة، بل قد يتأخر ظهوره في فترات ممتدة من زمن التعلم والأداء الوظيفي، حيث إن التفوق لا ينطلق دفعة مع المتعلم، بل هو لحظة عارضة تستقوي بظروف نفسية وآجتماعية، تنقل المتعلم من حال التواري العلمي إلى حال الظهور والتألق، وفي تاريخ العلماء والأدباء والشعراء ما يشهد على هذا، وفي تاريخنا المعاصر نجد المفكر عبد الوهاب المسيري رحمه الله، الذي كان مسيره الدراسي في البدايات الأولى إلى حدود المرحلة الثانوية عاديا جدا، لكن نبوغه العلمي لم يرتبط بتخصصه الأول في الأدب الإنجليزي، وإنما ساهمت فيه الظروف السياسية ٱنذاك بشكل كبير، ولذلك بعد الانتكاسة العربية أمام إسرائيل عكف على دراسة اليهودية والصهيونية، وكانت النتيجة أن ألف موسوعة تعتبر الأضخم في القرن العشرين، رافقتها كتب بلغت من النفاسة العلمية مبلغا رفيعا في نقد العلمانية والقومية…، وغيره من الأمثلة كثير ومبثوث في التاريخ عبر العصور، وهذا الحال يدعو إلى تتبع وضع النبوغ العلمي متابعة دقيقة، بٱعتباره لحظة يلتقي فيها الإنسان مع ما يتوافق مع هواياته وميولاته وٱستعداداته النفسية، وهذا الموضوع قد يزداد أهمية أكثر عند آستحضار أهمية التوجيه التربوي، الذي يظل محكوما بثلاثية تلازمه: رغبة التلميذ، ورغبة أسرته، وحاجة سوق الشغل أو بالأحرى العرض المهني المتاح، وبين هذه الثلاثية قد يضيع النبوغ، عندما يضحي المتعلم بميولاته العلمية والمعرفية طمعا في الحصول على عمل يضمن كرامة العيش، وعليه فإن البحث في النبوغ الدراسي يستدعي ٱستدعاء الظرفية النفسية والاجتماعية والوضع الاقتصادي، والتريث كثيرا في الحكم على كفاءة عامل دون ٱخر، خصوصا وأن المهن اليوم أصبحت ذات معايير مستجدة، تستدعي العامل إلى تطوير كفاءته بشكل مستمر.
طارق مرحوم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق