حين كان محمد الكحص على رأس وزارة الشبيبة والرياضة مطلع الألفية، كانت المخيمات الصيفية مدرسة حقيقية للمواطنة، تبنى فيها قيم التعايش، وتنفتح فيها الدولة على الهامش، فتحضن أحلام أطفال الجبال والقرى كما ترعى طموحات أطفال المدن. كان الكحص مؤمنا بأن التخييم ليس ترفا، بل ضرورة تنموية وتربوية، وأداة لإعادة التوازن الاجتماعي والجهوي.
أما اليوم، وفي عهد الوزير الحالي محمد المهدي بنسعيد، يبدو أن تلك الفلسفة قد تآكلت، وتحول البرنامج الوطني للتخييم، الذي يفترض أن يكون فرصة لتكافؤ الفرص، إلى فضاء جديد لإعادة إنتاج الإقصاء المؤسساتي، وفق ما وصفه الفريق الاشتراكي بمجلس النواب في تعقيبه على إقصاء أطفال إقليم سيدي إفني من المشاركة في مخيمات صيف 2025.
وفي سؤال كتابي موجه إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، أعرب الفريق الاشتراكي عن استنكاره لما وصفه بـ “الإقصاء الممنهج وغير المبرر” الذي طال أطفال وطفلات سيدي إفني، معتبرا أن حرمانهم من المشاركة في البرنامج الصيفي الوطني يمثل “خرقا واضحا لمبدأ تكافؤ الفرص، وتسييسا لحق دستوري مكرس للأطفال”.
وأشار الفريق إلى أن عددا من أطفال الإقليم، خصوصا في الوسط القروي، كانوا يترقبون حلول العطلة الصيفية أملا في مغادرة واقعهم القاسي، ولو مؤقتا، صوب فضاء تعليمي وترفيهي وإنساني كالذي توفره المخيمات، إلا أنهم صدموا بالإقصاء دون توضيح أو تبرير، ما خلف موجة من الغضب والاستياء وسط الأسر والجمعيات المحلية والفاعلين التربويين.
الفريق الاشتراكي ذهب أبعد من ذلك، حيث ربط هذه الواقعة بما وصفه بـ “رصيد طويل من الحيف والتمييز والتهميش” الذي تعاني منه الجهة ككل، والإقليم بشكل خاص، محذرا من أن التمييز في توزيع حصص التخييم يضرب مصداقية البرنامج، ويُحوّله إلى أداة للانتقاء بدل أن يكون وسيلة للإنصاف التربوي والمجالي.
وطالب الفريق الوزير بنسعيد بالكشف عن المعايير والأسس المعتمدة في توزيع الحصص الجهوية والإقليمية لموسم 2025، ودعا إلى اتخاذ إجراءات استعجالية لجبر الضرر النفسي والاجتماعي الذي لحق بالأطفال وأسرهم.
وإن كانت الذاكرة التربوية تحتفظ للوزير الأسبق الكحص بإصلاحات عميقة في قطاع الطفولة والتخييم، فإن الوزير الحالي مطالب بإعادة الاعتبار لجوهر التخييم كحق وليس منحة، وكوسيلة لبناء الإنسان لا أداة لإقصائه أو استغلاله سياسيا.
عادل بوحجاري: 20 دقيقة













