من الولادة البيولوجية إلى الولادة الوجودية

19 أكتوبر 2021
من الولادة البيولوجية إلى الولادة الوجودية

الكاتب طارق مرحوم

كان يصوم الإثنين، ولما سئل أجاب عليه السلام بكونه ولد فيه، وبعث فيه، فالإثنين يوم تضمن ولادتين، الولادة البيولوجية من العدم إلى الوجود، وولادة وجودية من حيث إدراك هذا الوجود، حين حمل الوحي الأجوبة عن الاسئلة المصيرية: من أين أتيت؟ ولماذا جئت؟ وإلى أين انا ذاهب؟ حيث نطقت أول سورة ب ( إقرأ بٱسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق….) هكذا أجاب القرٱن الكريم إجابة علمية، حيث إن العلقة هي أولى مراحل تشكل الجنين بعد الإخصاب، لينطلق في ٱزدياد الوجود حتى يستوي مكتملا موجودا، ومع توالي الإجابات والإرشادات الربانية، انطلقت الأمة الإسلامية من منطق القبيلة إلى منطق الأمة، بتأسيس قيم تحقق الانتقال من حالة الطبيعة حيث انصر اخاك ظالما او مظلوما، إلى حالة الثقافة بالمعنى السوسيولوجي والفلسفي حيث التعايش والحرية وقبول المغاير….


لقد ٱستطاع النبي الأمي عليه السلام إحداث ٱنقلاب فكري في واقعه الاجتماعي، ويزداد الأمر بهاء كونه يتيما فقيرا، فاقدا لشروط الريادة الاجتماعية بالمنطق السائد في محيطه، ورغم ذلك ٱستطاع تغيير الذهنيات والخلفيات الفكرية، وإن كانت العرب أشد وفاء لتقاليد الاجداد حيث الحمية دين ٱجتماعي لا يمكن التخلي عنه. إن من اهم ما بثه الرسول عليه السلام من قيم، هو لين الجانب، ففي قومه كان اللين ضعفا، وكانت القساوة مبعث الاحترام، لكنه عليه السلام كان منحازا لليسر، سهل الطبع، كثير الابتسامة، حتى قال أحدهم: “ما رأيت رسول الله إلا متبسما” ، ووصفه ٱخر: ” كان النبي عليه السلام أثقل الناس هما وأكثرهم تبسما”، لم تمنعه جسامة الرسالة، ولا دوام الكيد، ولا كثرة الإساءة من أن يملأ ملامحه بالبسمة، وسلوكه بالعطف، ولعل واقعنا المرير يشهد ٱنتكاسة في التصور، حيث صار المسلمون يحملون النصح في قالب جاف، ويضعون التهنئة في أسلوب فج، بل إن بعضهم لا ترتسم على محياه علامة البشر إلا لماما، فصار العنف وجفاء الطبع ميزة يتوسل بها البعض هيبة، وفي ذلك ما يبرره، فالنسيج العلائقي الاجتماعي ينظر إلى ليونة الطبع على أنها ضعف، فيسهل التطاول، ويحضر في حق الاحترام التهاون، في أمة كان نبيها عنوان الأمن.

إن التحول من مجتمع ذكوري بٱمتياز يئد البنات، أو يتقبلهن على هون، إلى مجتمع يستوي فيه الجميع أمام الخالق، لافضل فيه لذكر على أنثى ولا لعربي على عجمي، ولا لأبيض على أسود، كان ٱتجاها قيميا سابقا في تاريخ الفكر البشري، الذي تحدث بعد ذلك عن البعد النسوي ومقارية النوع، والمساواة، والمواطنة التي تنمحي أمامها كل التمايزات العرقية والجنسية، لقد ٱستطاع رسول الله عليه السلام تأسيس مجتمع بشري يدين للفكرة ويترفع عن الانتماءات، ولذلك كان مجتمع الصحابة خليطا من الخلفيات الإثنية المختلفة، وفي الفكر السياسي المعاصر، لا توجد ولن توجد دولة لها لغة واحدة، أو تحتضن عرقا واحدا، بل إن الهجرات المنظمةاليوم، صارت تستفيد من مهاجرين قادمين من جهات عدة، ويتم ٱستثمار التنوع الثقافي في تقوية الدولة تحت غطاء القانون، وبالتالي يحصل تنوع في الخبرة والخدمة والإنجاز، لقد حمل رسول الله عليه السلام مشروع خدمة الإنسان والإحسان إليه مهما كان ٱنتماؤه وفق قاعدة (وقولوا للناس حسنا)، فالناس لفظ يشمل البشرية كلها، والمسلم مدعو بمنطق صلته برسوله عليه السلام أن يكون أمنا على محيطه، لين الملامح، فالابتسامة صدقة، خافضا صوته لغير حاجة إلى رفعه، فالوحي أقر ب ( وٱغضض من صوتك، إن أنكر الأصوات لصوت الحمير).

إن المولد النبوي هو ولادة وجودية لأمة كانت تائهة في الصحراء، لتتحرر بفضل الوحي من سلطة القبلية الضيقة إلى علو الرابطة القيمية التي طبعت الرسالة بالعالمية.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق