طارق مرحوم
أثار حدث البئر الذي ضم “ريان” ساعات طوالا ليلفظه جثة هامدة،بعد ضمة فاقت صدره الندي، جملة من تفرعات النقاش في أبعاد عدة، فالمجال الذي ٱحتضن الطفل، حكم عليه بأن يلهو لهوا ولعبا لا يشبه طفلا ٱخر في حيز مكاني مختلف، ولذلك فنحن أمام سلوك للعب الطفولي متباين تماما كما تتباين المجالات الجغرافية، والانتماءات الطبقية، والخصوصيات الثقافية، إلا أن المجتمع الحضري اليوم يشهد تراجعا كبيرا للعب الجماعي، فاسحا المجال أمام ألعاب إلكترونية يبني فيها الطفل علاقته مع الهاتف، بعيدا عن شبكة الأقران وتفاعلاتهم، ما يرخي بظلاله وتأثيراته، على شخصية هذا الطفل التي ترتمي في أحضان الانزواء والانطواء والفردانية وتمثيل مشاهد ٱفتراضية في الواقع، ما يهدد حياة الطفل وسلامته، ولذلك ٱهتمت النظريات النفسية باللعب، وسلطت الضوء على دوره في تنمية الطفل نفسيا وٱجتماعيا، من حيث الانتماء الوظيفي للمجموعة وهو يؤدي دورا داخل نشاط اللعب، وكذا تحصيل قيم ٱجتماعية من قبيل ٱحترام قوانين اللعب، ومساعدة الٱخر، وتقبل الهزيمة، وإذا كانت الثورة الإلكترونية نقلت هذا الوضع من الواقع إلى الافتراض، فإن أطفال القرى لا تزال الأرض مورد لعبهم كما هي منبع غذائهم، ما يثير التساؤل حول ما إذا كان المجال القروي مستعدا لتوفير لعب ٱمن يستجيب لخصوصية مرحلة الطفولة؟! ولعل نظرة خاطفة متسرعة تجيب بأريحية شبه مطلقة، بأن سلوك اللعب في القرى مشوب بالخطر، ومن جانب ٱخر فإن المجتمعات الحضرية ليست على قدر من التطابق والمساواة في ٱستجابتها لنزق الطفولة وحيوتها، ذلك أن أطفال الهوامش، لهم نصيب وفير من الأخطار التي تحف تحركاتهم، إضافة إلى التمثلات الثقافية للأسر، والتي لا ترى في اللعب سوى تخلص من عبء طفل من أجل قسط من الراحة أو التفرغ لعمل يومي.
إن المدرسة اليوم يجب أن تتيقن بأن اللعب يؤدي خدمات نفسية وتربوية واجتماعية لا تقل أهمية عن تلك المبثوثة في المقررات، ولذلك لما أقصت المدرسة التقليدية اللعب من العرض المدرسي، نشأ لدى التلميذ نوع من العدوان والكراهية تجاه المدرسة، لأنه يشعر بأنها تصادر حقه في حياة طبيعية، عندما تختزله في دروس تتبعها ٱمتحانات ليتحول التلاميذ إلى أرقام ومعدلات في تصور ينفي إنسانيتهم وبشريتهم.












