طارق مرحوم
تتجدد قضايا المرأة كما يتجدد النقاش حولها كلما حل شهر مارس المحتضن ليومها العالمي ٱحتفاء بها، حيث تصير التقارير متواترة في حصد ما وصلت إليه المرأة من مكانة، وكذا المجهودات التي تبذل سعيا من أجل تمكينها مما كانت بالأمس منه محروما، كما تصب قراءات أخرى في تتبع مواطن الخلل التي لا زالت تعوق سير المرأة نحو أهدافها، إلا أنه من الملاحظ دوما تصوير المرأة والرجل في مثل هذه المحطات طرفي نقيض، حيث يأخذ الرجل صورة المتسلط المعتدي، في حين تنسب إلى المرأة نعوت الضحية وأوصاف الإقصاء والتهميش.
إن الحديث عن العنف الموجة إلى المرأة لا يجب أن يكون محصورا في ذلك البدني فقط الذي يترك ندوبا وجراحات على الجسد، بل هنالك من العنف الخفي الممارس على المرأة في جنح ظلام اللاواعي، فالأطر الثقافية والاجتماعية هي التي تحدد للمرأة سلوكاتها وتصوراتها وتمثلاتها على الحياة عموما، وإذا كان من السائد نعت المجتمعات العربية بأنها ذكورية، فإن المرأة خلف هذا المجتمع هي المسيرة لهاته الذكورة في كثير الأحيان، فالزواج مثلا الذي هو الصورة المثلى للٱلتقاء الرجل بالمرأة، يمثل الاختبار الحقيقي لعنف تمارسه المرأة على المرأة نفسها، بدءا من شروط الاصطفاء الاجتماعي الذي يفرضه مجتمع النسوة لتكون العروس مقبولة ٱجتماعبا، مرورا بحفل الزواج أو العرس والذي تسيره المرأة، لتضبط أدق تفاصيله حيث يمر عبر قناة المجتمع النسوي لينظر في عيوبه ومحاسنه، ولا يعدو أن يكون دور الرجل في هذا الموضع سوى ذلك الممون الساهر على جلب وشراء ما تطالب به النسوة من مستلزمات حتى يكون الاحتفاء مقبولا في التصور النسوي الاجتماعي، وما إن ينفض جمع الضيوف، وتدخل المرأة قفص الزوجية، تبقى المتابعة النسوية للعروس على أشدها، فإذا تأخر الحمل كانت العروس في موضع شبهة، وإذا سارعت بالحمل تساءل الجميع عن جنس المولود، حيث إنه في زمن غير بعيد، كانت الزوجة التي تضع ذكرا تنال من مجتمع النساء حظوة وشرفا، إذ إنها ٱستطاعت التماهي مع قيم المجتمع المفضل للذكور، وبذلك ستنال حب الزوج وقبل ذلك قبول أمه، حيث إن والدة الزوج غالبا ما تمارس عنفا رقابيا على عروسها، التي يجب عليها أن تنجح يوميا في قواعد الانتقاء الاجتماعي الذي وضعته النسوة، من حسن طبخ وترتيب للمنزل، إلى خدمة الزوج دون متطلبات، ولقد أجج مشكل السكن عنف المرأة تجاه المرأة، وصارت المرأة في هذا الإطار ضمن أسطوانة للإنتاج الاجتماعي، حيث تمارس المرأة العنف نفسه الذي تعرضت له عندما تنتقل من وضع إلى ٱخر ضمن تراتبية ٱجتماعية تخضع لها، ولذلك يمكن القول، بأن الهيمنة الذكورية واجهة هشة في كثير الأحيان لهيمنة أنثوية فاعلة وقوية، حيث إن العلاقة بين الأسر تحضر في حسبانه الإناث، حيث يأتلف جمع هذه العائلات أو يختلف حسب تدخل الإناث فيه، بمعنى أن كثيرا من العائلات ٱنفصم أفرادها بسبب وزن الأنثى فيها، والتي تقرب هذا وتبعد ذلك، فيصير الرجل منفذا لتصور أنثوي، وبذلك فإن عنف المرأة تجاه المرأة لا يقل خطورة وحضورا من ذلك الذي تتلقاه من الرجل، واكبر شاهد على ذلك، التعذيب وسوء المعاملة الموجهة إلى خادمات البيوت، فغالبا ما تتقن النسوة فعلها السادي في الجسد الندي لتلك الفتاة، كما أن الإجهاض الذي يعتبر حقا للمرأة في ثقافات معينة، يجعل من المرأة الحامل قاتلة لجنين أنثى وهي ٱمرأة في المستقبل.













