افتتح مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بمدينة وجدة، مساء اليوم الجمعة، موسمه العلمي والفكري الجديد بمحاضرة افتتاحية وازنة ألقاها الأستاذ محمد الخمسي، الأستاذ الجامعي والمحلل والراصد الاجتماعي، بعنوان «دور الذكاء الاصطناعي في صناعة مجتمعات الغد». وذلك وسط حضور نخبوي وجماهيري لافت تقدمه رئيس المجلس العلمي المحلي بوجدة الدكتور مصطفى بنحمزة، إلى جانب ثلة من الأساتذة الجامعيين والباحثين وطلبة العلم والمهتمين بالشأن الفكري والمجتمعي.
وانطلقت الجلسة بمساءلة فكرية جوهرية طرحها المحاضر حول قدرة الخوارزميات اليوم على صناعة مجتمعاتها وإعادة هندسة السلوك البشري والعلاقات الإنسانية؛ إذ أكد أن الخوض في هذا الموضوع لم يعد ترفا فكريا أو فضولا عابرا، بل هو ضرورة ملحة لتحديد تموقعنا في عالم يعاد تشكيله بالكامل. وقسم الخميسي مقاربته إلى ثلاثة مفاصل كبرى تبتعد عن التناول التقني الصرف الذي يفرغ الموضوع من معناه، لتضعه في إطاره الفلسفي والإنساني؛ متسائلا عن أسباب هذا الاهتمام المتزايد، وماهية التحولات والتوقعات التي ستحدثها هذه التكنولوجيا، وصولا إلى مساءلة دورنا ومسؤوليتنا الإنسانية ولو في حدها الأدنى.
وتوقف المحاضر عند المبرر المالي بوصفه أول وأبرز الدوافع للحديث عن الذكاء الاصطناعي، كاشفا عن أرقام مالية دقيقة وصادمة تعكس وزنه الاقتصادي العالمي غير المسبوق، إذ أشار إلى أن الكتلة المالية للذكاء الاصطناعي تبلغ اليوم 2700 مليار دولار. وأوضح الخميسي أنه لو تم تصنيف الذكاء الاصطناعي كدولة قائمة بذاتها. وأضاف المحاضر لو “قورنت موارده بموارد دول العالم، لكان الدولة الأكبر والأقوى في التحكم بالموارد المالية؛ مقدما مقارنة أبرز من خلالها هذا الثقل المالي الرهيب، حيث تتضاءل أمامه ميزانية دولة كالمغرب التي تصل إلى نحو 84 مليار دولار، بل وحتى ميزانية دولة عظمى كفرنسا التي تبدو متواضعة جدا أمام هذا الرقم الفلكي البالغ 2.7 تريليون دولار،
وشدد على أن هذا التدفق المالي الهائل يمنحه السيطرة الحقيقية على قطاعات وصناعات حيوية كبرى. وعزز الأستاذ الخمسي طرحه بالإشارة إلى أن قوة الذكاء الاصطناعي لا تقتصر على السيولة المالية الخيالية، بل تمتد لامتلاكه أكبر شبكة مؤسساتية وعلمية وعسكرية وشبه عسكرية وصناعية تتحكم في مفاصل القرار الدولي والجامعات الكبرى، ما يجعل منه الجيل الجديد من القوى الناعمة والخشنة في آن واحد. وفي تشخيص اجتماعي دقيق ومقارنة تاريخية لافتة، نبه المحاضر إلى خطر إعادة إنتاج أخطاء مرحلة ما بعد الاستقلال في المغرب، حينما انصبت كل الجهود نحو تكوين الأطر في تخصصات الطب والهندسة والزراعة، مع إغفال تام للعلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون والقانون والأخلاق، مما ولد فراغا فكريا مريرا لا نزال ندفع ثمنه.

وحذر المحاضر من أن الانجراف وراء الذكاء الاصطناعي في الفلاحة والطب والإدارة فقط دون تكوين فلاسفة ومفكرين يطرحون الأسئلة الوجودية العميقة، سيجعلنا في موقع التابع العاجز، مستحضرا تجربة صناعة القنبلة النووية الذي حشد 74 عقلا عالميا و2500 تقني ومهندس و10 آلاف جندي، حيث لم تكن الأزمة في المعادلة الرياضية بل في السؤال الأخلاقي الأعمق: هل سيتحكم العلماء في السلاح أم سيقع بأيدي سياسيين وعسكريين لا يستشيرون أحدا؟.
وعرج المحاضر بتفصيل على تداعيات هذه التكنولوجيا في خلخلة المفاهيم التقليدية للسيادة الوطنية، والزمان، والمكان؛ فصراع الأمم القادم أضحى صراعا حضاريا وثقافيا وهوياتيا في جوهره تتصدره أدوات الذكاء الاصطناعي اللغوية والرقمية. كما باتت الخوارزميات تعيد هندسة الجغرافيا والانتماء لدى فئات الشباب الذين أصبحوا يتجولون افتراضيا في عواصم العالم، ويعايشون تفاصيلها دون الحاجة إلى حدود أو تأشيرات.
ودق الخميسي ناقوس الخطر إزاء قضية «احتكار البذور الرقمية»؛ محذرا من تحول رقمنة المخطوطات والوثائق التاريخية وكتب التراث،كنسخ مقدمة ابن خلدون،إلى وسيلة لاحتكارها وتغييب أصولها الورقية، مما يتيح التلاعب بمضامينها ومعانيها مستقبلا.

ولم يغفل المحاضر التنبيه إلى محاولات إفراغ الإنسان من روحه وقيمه، مستشهدا ببحوث علم النفس ونظرية الذكاءات المتعددة، ومؤكدا أن الإنسان ليس مجرد كائن حسابي بل هو منظومة متكاملة من تسعة أشكال من الذكاء، يتصدرها الذكاء الوجداني والروحي القادر على غرس المحبة وصناعة المعنى والأمل، وهي أبعاد عصية على أي خوارزمية مهما بلغت دقتها. وأشار إلى أن هناك وجها مشرقا لاستخدام التقنية متى اقترنت بالبعد الإنساني، مستدلا بتجربة باحث إسباني استثمر الذكاء الاصطناعي لصون خمس لهجات محلية لقرية إيطالية نائية من الاندثار وكسر عزلتها التواصلية.
واختتم الأستاذ محمد الخميسي محاضرته بفتح آفاق رحبة للتفكير والعمل المشترك، مشددا على أن مسؤولية مجتمعات اليوم تكمن في التسلح بالوعي النقدي والأخلاقي لحماية الإنسان وكرامته. وأبرز الدور المحوري والرسالة المنوطة بمركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة، الذي يقع على عاتقه،بصفته صرحا فكريا ومجتمعيا رائدا،احتضان مثل هذه النقاشات التفاكرية العميقة، وطرح الأسئلة الكبرى التي يتغاضى عنها التقنيون، وتوفير مظلة بحثية تسهم في بلورة دراسات استشرافية تحمي الهوية وتجعل الإنسان دائما هو البوصلة والغاية لأي تطور تكنولوجي قادم.
20 دقيقة: مشيور مولود














