بقلم : طارق مرحوم
صار الخطاب العلمي زمن الجائحة أكثر متابعة،فهو الوحيد المؤهل لكشف نوعية الڤيروس وخطورته وسبل التوقي منه،كما طفت على السطح مصطلحات علمية احتلت ألسنة المقتفين لماهية هذا الضيف الثقيل،ومن بينها الطفرة،التي تعني قدرة الڤيروس على أخذ صورة أخرى تجنبه ما أعد له من لقاحات،فالطفرة عبارة عن مراوغات ذكية للڤيروس أمام ما يفتك به،وتزداد خطورته عندما يستطيع التغير مرات عدة، حيث رصد له علماء إيسلنديون أربعين طفرة،مكنت الڤيروس من إحداث تغير في مورثاته الجينية،فنحن إذا أمام ڤيروس ماكر محتال.
يبرز في الطبيعة خلق المكر أيضا بوضوح في سلوك الثعلب،حيث إنه يتظاهر بالموت فينفخ بطنه و يرفع قوائمه حتى يظن أنه ميت فعلا،فإذا اقتربت منه فريسة وثب عليها وصادها،ويحكى من باب الأسطورة، أنه رأى ديكا أعلى شجرة وقت السحر،فدعاه لكي يصليا جماعة،لكن من سوء حظه أن الديك تفطن لحيلته فأخبره بأن الإمام نائم خلف الشجرة،ولم يكن هذا الإمام سوى كلب،فلما رآه الثعلب ولى هاربا.
وإذا كان المكر الحيواني مبررا بالغريزة من أجل البقاء،فإن عالم البشر يحضر الكيد فيه متجاوزا براءة الحيوانات و سم الأفاعي،عندما يلبس المخادع ثوب الناصح وهو عنوان الغدر،وجلباب المحب وهو صورة كل شر،ويختفي وراء قناع اجتماعي ملؤه التوددواللطف،حتى لا يتكشف أمره،فغدا الكيد تجارة تحت الطلب،حيث تباع شهادات الزور أمام أبواب المحاكم،وتستأجر ضحايا مزيفة بدراهم معدودة لتغيير الوقائع أو إلصاق التهم بمن هم لها غير مقترفين،وكثيرة هي القصص في الخديعة،التي ملأت أرجاء البسيطة،ومن أغربها أن زوجةرجل كانت حاملا في شهرها الأول،أرادت أن توقع بشخص لتنسب حملها له ليكون طوع أمرها،حبيس سجنها،لكنه لما رفض صارت تصفه للناس بكل نقيصة،حتى لا يتحدثوا معه فلا يفتضح أمرها،وتدثرت بدثار الوعظ تحذرهم منه لكي تمحو آثار مكرها،مستعينة بشبيه رجل متلهف لذلك العرض رغم كونه أبا،ومن أساليب المكر أيضا،تكليف شخص بالاعتداء على الممكور به ،أو أداء دور الضحية وآدعاء المظلمة ونسبتها إلى بريء مقابل مبلغ مالي،وهو ما يدعى اليوم بالبلطجة…ومن حكايات الخديعة كذلك أن في إحدى المدن المغربية،شب طفل في أسرة تكفلت به بعد أن تخلى عنه أبواه،فلما كبر اهتدى إلى والده الذي كان يعمل حارس سيارات،فعرفه الإبن بعد طول بحث ولم يخبره،وذهب إليه حاملا حقيبة نقود وألح بالمبيت عنده، ليرى الأبوين معا وفقرهما، ويعلنها مفاجأة بعد طول فراق،لكن الوالد أغرته الحقيبة، فقام بقتل الضيف وتقطيع جثته وإخفائها في الغابة،وأثناء المحاكمة اكتشف القاتل أن ضحيته ماهو إلا ابنه الذي تخلى عنه، جاءه واصلا، لكن الشر كان بينهما فاصلا….
إن انتحال الطيبوبة وإظهارها مع إضمار الشر طفرة بشريةأشد خطرا من طفرات كورونا، لأن الوباء هو في نهاية الأمر ڤيروس فتاك أعلن نواياه ابتداء، لكن الإنسان بطفراته الماكرة يخفي حقيقته التي يهوي بها في قعر الخبث،محاولا إيهام محيطه الاجتماعي والفتك بالسذج الذين يتحصنون ب:(ويمكرون ويمكر الله،والله خير الماكرين)،و يتذكرون ذاك الذي مكر به إخوته وزوجة الحاكم،ليقذف في الجب بداية،وفي السجن ثانية، ويصير ملكا على الجميع نهاية،لأن الحكم قطعي بأن (ومكر أولئك هو يبور).














