بقلم : ذ.العمري مصطفى -محامي بهيئة وجدة- باحث
يمكن أن نتفق أن دستور 2011بغض النظر عن منهجية وضعه، أتى بمجموعة من المستجدات على مستوى الحقوق و الحريات و أنه رسخ مجموعة من المبادئ كالحكامة التشاركية وربط المسؤولية بالمحاسبة مبدأ عدم رجعية القوانين و سمو القانون.إلا أنه لا يكفي التنصيص على هذه المبادئ في الوثيقة الدستورية بل لابد من الدفع من أجل تطبيقها و إعمالها على أرض الواقع بغض النظر على تغير الظرفية الزمكانية و ما يمكن أن تأتي به من مستجدات تؤثر على العقد الذي يجمع الدولة مع المواطنين الذي يجب أن يبقى محافظا على توازنه و دلك بعدم التضييق على الحريات و التراجع على المكتسبات.
ومن المحطات الحقيقية كمثال على ما سبق ذكره هو ما يعرفه العالم من تغيرات جيوستراتيجية بسبب انتشار فيروس كورونا المستجد كوفيد 19 الذي لازالت الأبحاث جارية لتشخصيه ووجود لقاح له،و لكن في انتظار ذلك عملت جميع الدول على اتخاذ إجراءات احترازية للوقاية من انتشاره و هو الأمر الذي عملت الدولة المغربية على اتخاذه و ذلك أولا بإغلاق الحدود البرية و الجوية مع الخارج، و عملت كذلك على سن مجموعة من المقتضيات القانونية منها المرسوم بقانون رقم 02.20.292 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطواريء الصحية و إجراءات ألإعلان عنها،و المرسوم رقم 2.20.293 المتعلق بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا –كوفد 19-هذين المرسومين اللذين أتيا بإجراءات عملية تستجيب لجسامة الجائحة حسب تصنيف منظمة الصحة العالمية لمحاولة حصاره.كما أن هذه الإجراءات لقيت تجاوبا إيجابيا من طرف كافة المواطنين رغم تقييدها لحركتهم،فتم تغليب جانب الحفاظ على النفس و الصحة على حساب حرية التجول و التنقل لأن طبيعة المرحلة و الظرفية تقتضي ذلك.ورغم التجاوب الذي عبر عنه سائر المواطنين في جميع ربوع الوطن إلا أن الحكومة المغربية عاملتهم بنقيض القصد و قامت بمحاولة تمرير مجموعة من مشاريع القوانين كمشروع القانون رقم 22.20 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي و شبكات البث المفتوح و الشبكات المماثلة،الذي تم عرضه على أنظار المجلس الحكومي و تمت المصادقة عليه فعينت لجنة تقنية لمناقشة بعض النقط الخلافية،لكن كل هذا كان في سرية تامة،لكن حسنا فعل من قام بتسريبه و إيصاله للرأي العام الذي تبين بعد الاطلاع على ما جاء فيه من مقتضيات أنه يضرب ما تم التوافق عليه دستوريا عرض الحائط و يمس بالحقوق و الحريات،كما أنه يتضمن عقوبات حبسية مشددة و غرامات مرتفعة جدا،و أمام الرفض الذي لقيه هذا المشروع من طرف جميع الأطياف الحقوقية و المدنية و تنكر له كذلك بعض الأحزاب التي شاركت في مناقشته من داخل المجلس الحكومي.
اضطرت الحكومة تحت ضغط الرأي العام إلى تعليقه و إرجاء مناقشته إلى وقت لاحق،إلا أن الحكومة رغم ذلك لم تأخذ ما عبر عنه القانونيون في الحسبان كون الظرفية التي نعيشها في زمن كورونا تقتضي التريث إلى غاية رفع حالة الطوارئ الصحية و إعطاء الفرصة لجميع المتدخلين لإبداء مواقفهم و آراءهم،احتراما للمبدأ الدستوري المتمثل في التشاركية لكن رغم كل ما سبق ذكره،إلا أن الحكومة لازالت مصرة على تمرير المشاريع فعملت من جديد على عرض مشروع قانون يتعلق باستعمال الوسائط الالكترونية في الإجراءات القضائية و ذلك بإتباع منهجية تعديل الفصول تارة و إضافة فصول أو نسخها تارة أخرى في غياب تام لاحترام منهجية التشريع و إشراك الفاعلين المعنيين بصفة مباشرة.إلا أن هذين المشروعين لم يكتب لهما الوصول للمؤسسة التشريعية لمناقشتهما للأسباب الموضوعية السالف ذكرها.
لكن في المقابل و رغم الظرفية التي تمت الإشارة إليها و المتعلقة بعم وجود مناخ ملائم لسن القوانين بسبب الظرفية الاستثنائية التي يعيشها المغرب بسبب الجائحة عملت الحكومة في شخص وزارة السياحة بإعداد مشروع قانون رقم 20.30يتعلق بعقود الأسفار و المقامات السياحية و عقود النقل الجوي للمسافرين الذي رغم ما تضمنه من تراجعات خطيرة تمت الموافقة عليه من طرف مجلس النواب و مجلس المستشارين و نشر بالجريدة الرسمية بتاريخ فاتح يونيو 2020.
لكن قبل مناقشة التراجعات عن المكتسبات الدستورية و كذا الضمانات القانونية التي جاء بها القانون 08.31 المتعلق بحماية المستهلك،لا بد من الإشارة بإيجاز إلى هيكلة القانون موضوع المناقشة الذي يشتمل على 13 مادة و أربعة أبواب ،الباب الأول خاص بالإحكام العامةِ(من المادة1الى المادة3)تم تحديد فيها المقصود بمقدم الخدمات والتي تم حصرها في مجموعة من الجهات المنظمة بمقتضى قوانين منها القانون رقم 96.31 المتعلق بالنظام الأساسي لوكالات الأسفار،المؤسسات السياحية الخاضعة لإحكام القانون رقم 00.61 بمثابة النظام الأساسي للمؤسسات السياحية…الباب الثاني المنظم للإحكام الخاصة بالعقود المقرر تنفيذها خلال الفترة الممتدة من فاتح مارس 2020 إلى غاية تاريخ رفع حالة الطوارئ الصحية(المادة4و5).الباب الثالث نظم الأحكام الخاصة بالعقود المقرر تنفيذها خلال الفترة من اليوم لتاريخ رفع حالة الطوارئ الصحية إلى غاية 30 سبتمبر 2020(المادتين 6و7)و أخيرا الباب الرابع الخاص بالإحكام المشتركة(المواد من 8الى 13).
وبعد مراجعة مواد هذا القانون بغض النظر عن التراجعات الحقيقية عن المكتسبات الدستورية والقانونية الذي سيتم مناقشتها لاحقا،و إن المنهج المعتمد في وضعه غريب جدا،و كمثال على ذلك التقسيم المتبع في التمييز ما بين العقود المبرمة من فاتح مارس إلى غاية رفع حالة الطوارئ الصحية،و العقود المبرمة من اليوم الموالي لرفع حالة الطوارئ الصحية إلى غاية 30سبتمبر 2020.فالتساؤل المطروح أولا لماذا هذا التقسيم و ما الغاية من اعتماده؟و ماذا لو استمرت حالة الطوارئ الصحية إلى غاية 30سبتمبر 2020هل سنعمل على تطبيق الباب الثاني فقط؟و ما مصير الباب الثالث من القانون المتعلق بالعقود المبرمة بعد اليوم الموالي لرفع حالة إلى غاية 30 سبتمبر 2020؟و عليه يتبين إن هدا القانون وضع في عجلة من أمره و أن الجهة صاحبة المشروع قامت بتهريبه مخافة أن يتم تعليقه كما هو الأمر لكل من مشروع القانون 22.20و مشروع القانون المتعلق باستعمال الوسائط الالكترونية في إجراءات التقاضي.
وبغض النظر على السلبيات المنهجية السلف ذكرها،فإن هذا القانون ضرب عرض الحائط مبدأ دستوري أصيل متمثل في “عدم رجعية القوانين”كما هو منصوص عليه في المادة السادسة من الدستور في الباب الأول المتعلق بالأحكام العامة الذي جاء فيها”القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة و الجميع أشخاصا ذاتيين او اعتباريين بما فيه السلطات العمومية،متساوون أمامه،و ملزمون بالامتثال …ليس للقانون أثر رجعي “.لكن بالرجوع إلى المادة 2من القانون 20.30نجدها نصت انه يسري على عقود الأسفار و المقامات السياحية و عقود النقل الجوي للمسافرين المقرر تنفيذها خلال الفترة الممتدة من فاتح مارس الى 30 سبتمبر 2020و التي يتعلق موضوعها بالخدمات المقدمة في إطار ممارسة الأنشطة المنصوص عليها في مجموعة من القوانين.وعليه يتبين انه رغم صدور القانون و نشره بتاريخ فاتح يونيو 2020،أي أن جميع العقود التي أبرمت ما بين الوكالات السياحية و الزبناء ابتداءها من فاتح مارس إلى غاية فاتح يونيو 2020،تاريخ النشر.سيطبق بأثر رجعي لمدة ثلاث أشهر سابقة و هذا فيه خرق سافر لمبدأ أصيل متعارف عليه كونيا و تمت دسترته بمقتضى الفقرة الأخيرة من المادة السادسة من دستور 2011.الأمر الذي سيدفع لا محالة كل المتتبعين للشأن الدستوري و القانوني إلى طرح سؤال عريض ألا و هو ما الغاية من تضمين مبادئ قانونية بالوثيقة الدستورية إذا لم يتم احترامها و مراعاتها من طرف من أوكل إليهم سن القوانين؟ و هو ما يطرح علينا السؤال العريض ألا و هو مسألة الشعار العريض الذي يروج له المتعلق بدولة الحق والقانون.إلا أن القانون المذكور لم يتم الاكتفاء من طرف واضعيه على خرق الوثيقة الدستورية باعتبارها القانون الأسمى بل تم خرق قوانين أخرى من قبيل القانون 08.31المتعلق بحماية المستهلك الذي أتى بضمانات قانونية لفائدة الطرف الضعيف في العقد(المستهلك) بعد نضال طويل من طرف المجتمع المدني و جمعيات حماية المستهلك، فتم إقرار بعض الضمانات القانونية التي تعمل على محاولة إرساء التوازن ما بين أطراف العقد غير المتكافئة في العديد من العقود الاستهلاكية عن طريق اعتماد أنظمة قانونية نص عليها منها.إعتبار القواعد القانونية المضمنة فيه قواعد أمرة مع ما يحمله المفهوم من دلالة قانونية و ما يترتب عنه من أثار و التنصيص كذلك في المادة التاسعة انه في حالة الشك حول مدلول احد الشروط يرجح التأويل الأكثر فائدة بالنسبة للمستهلك و كذا قلب عبئ الإثبات في بعض المنازعات الاستهلاكية و تحميل المهني عبئ الإثبات كما هو الأمر في المادة18 من نفس القانون و غيرها من ضمانات الإجرائية المنصوص عليها في المادة 202المتعلق بالاختصاص النوعي.إلا أن هذه الضمانات لا يمكن أن يستفيد منها المتضرر بسبب صدور القانون 20.30الدي أجهز على جميع الضمانات المذكورة.
لكن أملنا أن تعرض قضايا بخصوص العقود التي أبرمت داخل المدة التي يؤطرها القانون 20.30على القضاء حتى نتمكن من معرفة قراءته لهذه الخروقات الخاصة بالمبادئ الدستورية و كذا الضمانات المخولة بنص القانون 08.31.و هل سيعمل على الدفع باحترام تطبيق المبادئ الدستورية خاصة مبدأ عدم رجعية القوانين.
لكن أملنا كذلك أن يرى القانون التنظيمي رقم 15.86المتعلق بتحديد شروط و إجراءات الدفع بعدم الدستورية النور في القريب العاجل حتى يتمكن المتقاضي من ممارسة حقه الدستوري المتمثل في الدفع بعدم دستورية القوانين السارية المفعول على القضايا التي تمس حق من الحقوق أو بحرية من الحريات التي يتضمنها الدستور.














