بقلم : بقلم سدي علي ماءالعينين
مقال خارج سياق التوقف عن الكتابة إلى حين، و كل ما يرد في هذا المقال من أحكام هي نسبية، و اسلوب التعميم استعمل للضرورة الأدبية، موضوع هذا المقال قد يسيل الكثير من المداد، لأنه بكل بساطة سيبسط واقع الممارسة السياسية ببلادنا ،و سيتضمن احكاما تشخيصية لن ترضي جميع الأطراف:
في بلادنا كانت للسياسة قيمة، في صراع اليسار من أجل دولة الحقوق والحريات ،و نال مناضلو اليسار السجون والمعتقلات والمنافي والإغتيالات،كان الإنتماء للأحزاب ليس ترفا إجتماعيا ،ولا طمعا في مناصب وترقية إجتماعية، كان الإنتماء ومجرد شراء جريدة، يعني مشروع معتقل،اما الإسلاميون بالمغرب، فكانوا بين فرع للإخوان المسلمين رحب به الحسن الثاني وخطط له ان يكون سلاحه لمحاربة اليسار على مقاس تجربة السادات التي اغرقته في دماء منصة الإستعراض العسكري،وبين جماعة خرجت من رحم الزوايا والطرق – التي عاندت سلاطين وهي تواجه المستعمر يوم كان المركز يوقع العهود و الإتفاقيات،- فكانت جماعة العدل و الإحسان هي إمتداد لحركة المطالبة بمواجهة قمع المخزن و المطالبة بدولة إسلامية تخير الحاكمين بين” الإسلام او الطوفان،” .
وبعد عقود من الصدامات و المواجهات، سيهندس مرض الحسن الثاني مصالحة قيصرية بين يسار تقوى نقابيا وراكم جراح أزمة الخليج و إنتفاضة الحجارة، وإعتقال الأموي ووفاة شيخ اليسار بوعبيد، واحزابا وطنية بدأت تكتشف قيمة التكتل والتنسيق المشترك. فتحت الحدود لعودة المتعبين من المنافي، وفتحت السجون لإطلاق سراح المعتقلين، و فتحت محاضر الجلسات لطي صفحة الماضي، وفتح باب التناوب، و الإنتقال الديموقراطي ،لكن أيضا فتحت الأرصدة لتلقي أموال جبر الضرر،لتتغير البنية الإجتماعية لليسار، الذي ركب موجة الإنفتاح الإقتصادي، بين من عانقوا لذة الحكومة، والدواوين و السفريات و البدل والشكولاته،وبين من جعلوا من أموال جبر الضرر مفتاحا لمعيشة البذخ و السيارات والفيلات و السفريات،،، كان لابد لإستكمال دورة تغيير البنية الإجتماعية لبقايا اليسار خاصة بالتعليم والصحة، لذلك جاءت المغادرة الطوعية لتجعل من ما تبقى من المثقفين العضويين فريسة لأموال جعلتهم في مغادرة طوعية من كل قضايا المجتمع، إلا من رحم ربك، ليلتحقوا برفاقهم ممن جعلت الدولة من التقطيع الإنتخابي،منذ بداية التسعينات آلية لتغيير بنيتهم الإجتماعية كنخب محلية من الأحزاب الوطنية، وجدوا أنفسهم رؤساء جماعات صغيرة لكن بإمتيازات مجتمعية كبيرة!!
ذهب إدريس البصري، ومات الحسن الثاني، وجاء حكم الملك محمد السادس حاملا معه إنهاء تحالف إضطراري بتعيين وزير الداخلية جطو مكان من اقسم على المصحف مع الحسن الثاني،و خلق حزب من خليط المرتدين من اليمين واليسار ومن الطامعين في كعكة العهد الجديد مع صديق الملك،في هذا الخضم كان حزب الإسلاميين يشق طريقه بمهادنة على المقاس مع المخزن، حيث الرسالة الشهيرة لخادم وزير الداخلية إدريس البصري بنكيران عبد الإلاه، الذي يجلس في دكة الإحتياط ينتظر دوره بشغف كبير، وكان الترشح بتمثيلية نسبية وحضور بالبرلمان على مقاس الديموقراطيات الناشئة،وجاءت احداث 16 ماي وطنيا و احداث 11 سبتمبر دوليا، لتجعل المخزن في مواجهة صنيعته زمن الحسن الثاني ،وكأن العهد الجديد يصفي تركة زمن الحسن الثاني و إدريس البصري، بنهج الإضعاف ولوي الدراع، وعندما كان حزب ” المغرب الممكن” وحزب” كل الديموقراطيين” يستعد لتكرار تجربة الأحزاب الإدارية زمن البصري ، جاء الربيع العربي، ليغير خريطة المسار المرسوم، و يجد المغرب نفسه مضطرا لمواكبة الحركية التي عرفتها أنظمة الحكم بالدول العربية، ليتم الإستنجاد بلاعب الإحتياط، الذي سيتم إغراقه بالمقاعد بحجم اكبر من حجم إغراق الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية قبل التناوب!!!
رضعوا رؤوسهم في الرمل وآمنوا أن ما جنوه مستحق، و بسرعة البرق كان لابد من جعل أبناء الجماعة الذين تعمدوا الحضور إلى القصر يوم تعيينهم بسيارات الشعب، وتباهوا باكل البيصارة بحي يعقوب المنصور، أن يبينوا معدنهم الحقيقي وهم يصادقون على مشاريع قوانين للتعويضات الخيالية عن المهام، وتسابقوا كغيرهم إلى السفريات، وإلى الإستقرار بالرباط ، بل إلى فك الإرتباط مع حبهم ” على سنة الله ورسوله” ، إلى حب” على سنة المنصب الجديد والوضع الإجتماعي الجديد” ، وهذه الأخيرة هي خاصية لم يكن يعرفها اليسار،وكلنا يتذكر حجم البرلمانيات اللواتي كن يجلسن في قلب البرلمان بلا دور ولا صوت غير التصفيق لبنكيران، ولولى حكم التحريم لقمن مزغردات ومغنيات :(طلع البدر علينا!!!!) ،و لتكتمل صورة تغيير البنية الإجتماعية لفرع الإخوان بالمغرب بعد تغيير بنية اليسار، كان لابد من غزو للجماعات المحلية ليسقط الاقدمون ليفسحوا المجال للقادميين ، والذين ليسوا سوى نخب كانت ترى في السياسة لحية وحجاب، وجمعية لبناء المسجد،وجدت نفسها في 2015 في قلب مؤسسات الدولة، وفجأة يقول شيخ اليساريين ووارث البوعبيدية الوطنية الإصلاحية المشاكسة محمد اليازغي : مات المخزن !!!
والحال أن من مات هو السياسة،و من غرائب الصدف، أن جماعة العدل والإحسان التي كانت مستعصية عن الترويض، رغم مشاركتها في التصويت الموجه لصالح فرع الإخوان لأسباب تكتيكية ، لحقها التغيير بإرادة ربانية،فيوم كان الإستقلاليون قد حسموا في امينهم العام ونصبوا شباط،ويوم كان الإتحاديون ينصبون كاتبهم الأول إدريس لشكر فيما سمي آنذاك بمخطط المخزن،كان اتباع الشيخ عبد السلام ياسين ينظمون جنازة مهيبة لشيخهم الذي جعلت الأقدار وفاته في نفس ليلة المؤتمر التاسع للإتحاد ،كان ذلك سنة قبل إنتخابات جماعية ل2015, والتي يمكن القول انها اول إنتخابات في تاريخ المغرب يقود فيها المخزن والعدل والإحسان حملة إنتخابية لنفس الحزب :العدالة والتنمية !!!!!!
إبنة الشيخ لم يعرف احد أين إختفت بعد ما حدث لها من متابعة بالمحاكم لأسباب ” أخلاقية ” تقول الجماعة أنها ملفقة.و بدأت رحلة أنصار فكر الجماعة من فرع الإخوان بالمغرب، رحلة ممارسة السياسة من داخل المؤسساتفي المقابل، يسار في مغادرة طوعية، ويمين تائه بعد سقوط مشروع البام، و تغير بنية المؤسسات المنتخبة جهويا،لكنها رحلة بدأت بمسلسلات فضائحية تعكس عدم صلابة الروابط الأسرية أمام النفوذ والمال، لم تستثني اي فئة، من الوزير والوزيرة ،ومن النائبة البرلمانية والنائب البرلماني، ومن شيخ الدعوة إلى المرشدة الدينية، ومن الرئيس السكير ،إلى المستشارة العاشقة….لم تحتج الدولة لتلفيق التهم كما كان الحال مع جماعة العدل والإحسان ،فنحن أمام جماعة مستعدة للتغيير!!!!ورغم كل عمليات التغطية الإعلامية لهذه الفضائح، كانت الجماعة و مريديها يعتبرون الأمر من طبائع الأمور، وسار الشعب على هواهم ومنوالهم بتبني منطق المآمرة !!!
لكن ما كان يميز اليسار عن العدالة والتنمية ، أن اليسار كان مسكونا بهم بناء دولة الحريات و الديموقراطية، ونال نصيبه من السجون والمنافي والمعتقلات، قبل أن ينال المحظوظون تعويضا عبر جبر الضرر و المغادرة الطوعية، التجارب الجماعية ل1992. فيما الجماعة مسكونة ببناء الجماعة وتوسيع قاعدتها، لذلك وجهت أموال التعويضات، و أموال المؤسسات المنتخبة لشراء رضى المستضعفين، وبناء جيوش المصوتين، بناء يكون على مدار سنوات في مقابل يسار يوشك على الإنقراض، واحزاب مخزنية تتصارع على مصالحها الإقتصادية وتجعل من الإنتخابات مناسبة لشراء الأصوات وإفساد الإنتخابات،اليوم أصبح المغرب أسير جماعة ألبسها المخزن لباس مؤسسات الدولة للضرورة التي فرضها الربيع العربي، و هذه الجماعة لم تأكل الكعكة لوحدها كما فعل أصحاب جبر الضرر و المغادرة الطوعية و التناوب وخدام الدولة، بل وزعتها كما توزع الألغام وسط الأحياء الشعبية والجامعات والمؤسسات التعليمية، و الوداديات و التعاونيات ،وبلا مبالغة حتى وسط اسلاك السلطة نفسها!!!!
هناك حاجة اليوم لذى المخزن لإعلان نهاية زواج المتعة مع هذه الجماعة، كما كان الحال مع التناوب،لكن الأمر يبدو صعبا’، لأن كل البدائل ” مصطنعة و فاقدة الشرعية الميدانية” ، وأخرى مسلوبة القرار و الإرادة لأنها جمدت فكرها اليساري القاعدي المبني على الإلتحام بقضايا الشعب ومواصلة إصلاح الدولة بالنضال من أجل حلم الديموقراطية المجهض بقتل التناوب، و إختارت جعل السياسة لعبة مناصب و مكاسب ذون ضمير إجتماعي مراقب او محاسب، في المحصلة، يسار باع أحلامه، و يستهلك رصيده بعبث و ألم،و يمين ومحافظون فقدوا بوصلة التموقع بين الوافد الجديد، أو حزب الحمامة الموعود بالطيران بجناح المخزن،و فرع للإخوان المسلمين يواصل زحف الجماعة على الحياة العامة والمؤسسات، بالإحسان و الصدقة والتقية،وجماعة العدل والإحسان التي فقدت في شيخها الموجه والموحد، وتعيش مرحلة مخاض اشبه – مع وجود الفارق- بما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وتيه تأسيس الخلافة، تلك الخلافة التي كان ينادي بها شيخهم ويتوعد الملوك بالطوفان،!!!
اليوم فعلا مات المخزن، و تُولد دولة مؤسسات في خدمة الرأسمال، و تموقع المغرب في خريطة عالم خارجي فقد توازنه، و تسعى الدولة ان تجد لها مكانا فيه، في زمن موت الإديولوجيات، و تجارة السبحة والسجادة….والمواطن مات فيه حس المواطنة و هو يتغدى من سياسات الإقتصاد الغير مهيكل للدولة ،ومن البورصة المختصة في بيع آدميته من تجار السياسة، ومن قفات الإحسان، وقروض خلايا ” دارت” و منديل تركي مقابل عفة، و لحية عربون ورع وتقية تفتح بابا للصلاح ولو بجر عربة، بالأحياء الشعبية، و يسار كان القدوة وأصبح اليوم هو العبرة، عبرة المتخادلين و المتسلقين وبائعي القضية !!!!!
لذلك أصبحت الإنتخابات مجرد لعبة محسومة النتائج، و تكريسا لوضعية تعكس ان المغاربة وجهتهم واحدة هي قوت يومهم، وغير ذلك فكل الوجهات هي وسيلة للوصول إلى ذلك القوت، ولو كان سجدة على سجادة، أو جلبابا ابيض تحت قبة البرلمان، أو كرسيا مريحا بمكتب مكيف او بسيارة تحمل علامة ج.لذلك افلست السياسة وفسدت القيم.
فهل تعتبرون؟














