بقلم وليد بحكان
أثار تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون زوبعة من ردود الفعل بين الجشب و الهجوم و حتى السخرية.
بداية وجب علينا تعريف الأزمة، فالأزمة هي نمط معين من المشكلات أو المواقف التي يتعرض لها فرد أو أسرة أو جماعة.
ويعرفها “رابوبورت”Rapoprt على أنها موقف مشكل يتطلب رد فعل من الكائن الحي لاستعادة مكانته الثابتة وبالتالي تتم استعادة التوازن.
كما يعرفها كمنج Cumming كتأثير موقف أو حدث يتحدى قوى الفرد ويضطره إلى تغيير وجهة نظره وإعادة التكيف مع نفسه أو مع العالم الخارجي أو مع كليهما.
لكن أبرز ما يميز الأزمة هو أن ينظر الإنسان إلى هذه القوى الضاغطة على أنها تشكل تهديداً أساسياً لحياته أو لأمنه أو لأهدافه الأساسية في الحياة.
فهل فعلا ينطبق هذا الأمر على المجتمع المسلم ككتلة واحدة لا الحديث عن أفراد معينين؟ فالمجتمع الإسلامي ككل يرى الأمور من زاويته الخاصة زاوية يظهر فيها أنه من أهل دين الحق، و وجهة نظر تطمئنه أن دينه واسع الانتشار و يغزو العالم من كل جوف… و هذا ما يفسر الهجوم الشرس على قول الرئيس الفرنسي، لأنه ببساطة معظم المسلمين أو غالبيتهم الساحقة لا تشعر بأي أزمة فيما يخص الشطر الديني. هنا نتفرق بين فكرتين، هل يمكن أن يأتي التشخيص من الآخر و يخلص لوجود أزمة.
أم أن هذا الطرح مرفوض و يجب للمشخص أن يكون من الداخل و هو نفسه الكيان المعني بالأمر.
كلا الطرحين صائبين في سياقهما الخاص، فللأزمة أنواع أيضا ولو كنا نتحدث عن أزمة مادية لكان الأمر هينا فيمكن لأي كان أن يعطينا تشخيصه و خلاصته التي لن تختلف بين اثنين باعتبار الأمر مجرد دراسة إحصائية تثبتها الأرقام.
لكننا بصدد الحديث عن أزمة معنوية وهنا إن كان المعني بالأمر لا يشعر بها فلا يمكن إلصاق أفكارنا و آرائنا به وتكليفه أياها.
فالخطأ الذي وقع فيه ماكرون هو خطأ قياس، و هو أمر معروف في العلوم التطبيقية و يؤخذ منه في العلوم الاجتماعية، بحيث أنه أخضع حكمه لوجهة نظره و زاوية رؤيته للإسلام، التي هي مختلفة عن الإسلام كما هو أو كما كان في بداية نشأته.
ماكرون انزلق كما عديد المجددين لمحاولة إخضاع الدين و بالأخص الإسلام للعصرنة و مواكبة تحديات و رهانات العصر، فهذه المحاولة من وجهة نظري أنها تحوير و تغيير للإسلام و إعطاء صورة و فكرة لم تكن أبدا موجودة و هي مغايرة جدا عن ركائز هذا الدين.
معظم المسلمين رغم ما وصلوا إليه من تحضر و مهما انخرطوا شكلا في قالب العولمة لازالوا مع تطبيق قوانين الإسلام التي ترجع للقرن السابع ميلادي بدلا من قوانين القرن الحادي و العشرين، بالرغم من أنهم لن يطيقوها.
هذا المنطق هو ما يؤكد عدم وجود أزمة بالجسد الاسلامي فكيف لفرد من هذا المجتمع ان يخضع بإرادته لقوانين رغم معرفته بصعوبة مواكبتها للعصر، يمكن أن يكون انفصاما لكنه ليس أزمة أبدا.
في بداية الإسلام و بعد وفاة رسوله، احتدم الصراع على السلطة فالأنصار أهل يثرب هم من نصروا الإسلام و احتضنوه رؤوا في سعد ابن عبادة الانصاري خليفة للرسول و لو خلصت الأمور لديموقراطية الاغلبية لكان هو الخليفة الاول، لكن حادثة سقيفة بني ساعدة غيرت مجر الأحداث و لا زالت محل نقاش و شرخ بين المسلمين حتى بعد أربعة عشر قرنا من وفاة الرسول، هذه أزمة و لا يمكن لعاقل أن ينفيها.
بعد حكم أبي بكر بدأت حروب الردة و بدأت الشروخ تتصدع في صدر الإسلام و هذه الاخرى كانت أزمة، مقتل عمر كان أزمة، و تبعها مقتل عثمان و اقتتال جيش علي مع جيش عائشة حول مسألة الانتقام لعثمان و هذان أزمتان، ثم اقتتال علي و معاوية… ثم أزمات متتالية لحفدة الرسول و توطيد الخلافة الاموية…
و استمرت الازمات لبنو العباس و هكذا أصبحت الازمات واحدة تلو الاخرى حتى نسي المسلمون ازماتهم و اهتموا بأزمات جديدة. و حتى في بداية النهضة العلمية، نعرف من الازمات الكثير بين ابن سينا الفرابي ابن رشد و حتى في الجانب الديني العديد تعرض لقمع شكل ازمة طويلة كابن حزم ومالك ابن انس و العديد العديد.
كل هاته الأزمات أجزم أن القلة القليلة من المسلمين تعلم أنها و حتى إن تسربت لهم بشكل من الاشكال يستغرونها و إن سألوا عنها يكون الجواب : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ”.
والقول القائل بأن الغارق لا يخشى البلل هو ما ينطبق على المجتمع الإسلامي، فالأزمة التي يتحدث عنها السيد ايمانويل لا تشكل شيئا بالمقارنة مع ما يعيشه العالم الاسلامي فعلا من مشاكل.
و أكثر ما يتبث هذا هو السخرية من زوجة الرئيس الفرنسي و انه هو من يعيش أزمة بحكم زواجه من امرأة تكبره سنا، متناسين في الوقت ذاته أنه يقوم بهذا دفاعا عن دين رسوله تزوح من امرأة تكبره سنا، بنفس الفارق بين الموسيو و المدام ماكرون.














