في زمن الابتذال حتى النماذج التي كنا نضرب بها المثل خذلتنا، فالمقصود بالعلمانية هو ذاك النظام السياسي الذي يرتكز في حكمه على تشريعات وضعية بشرية منبثقة من المبادئ الإنسانية، فهي من الإنسان وفي خدمة الإنسان دون تمييز بين عرق أو دين أو جنس، بل وتوفر وتضمن جميع الحقوق لكل فئات المجتمع مهما كان انتماؤهم في ظل القانون. العلمانية كإسقاط أفلاطوني ستبقى أهم ما أنجب الفكر البشري كضامن للديموقراطية والتعددية.
نبقى دائما في شقها الأفلاطوني ونحلل جزئياتها واحدة بواحدة، يسعى النظام العلماني إلى تجنب كل التضييقات التي تمارسها الديانات على الأفراد والمجتمع، ويترك في الوقت ذاته حرية الاختيار لمن أراد اعتناق أو ممارسة ديانة أو طقوسا معينة، دون التأثير على الآخر أو إجباره. بل وهو مطالب أي هذا النظام برعاية وصيانة حرية المعتقد، وأن يصطف أبناء الديانات في خط واحد دون تمييز بينهم.
واحدة من أبرز ثمار هذا النظام هي كفل حرية التعبير، باعتباره حقا بشريا مقدسا لا يعلى عليه. حرية التعبير المقصود منها التعبير عن الذات عن الفكر باستقلالية تامة دون تأثر من جانب خارجي. واتفق العقلاء دوما أن لحرية التعبير شق كبير من اللباقة واحترام الآخر. يمكنني أن أتجول بأحد المنتزهات بينما أعبر عن رأيي في أناس لم يطلبوا مني ذلك، فأقول مثلا سيدي أنفك طويل، أهلا فتاة شاربك واضح، مرحبا أيها السمين، أيها الأعمى لن تستطيع يوما رؤية خضرة الربيع… لا أحد سيستسيغ هذا لأنه يحمل الكثير من الازدراء وهو بالتأكيد سلوك مذموم.
كيف ستقف القوانين معي وأنا قد تعديت حدا فاصلا من حرية التعبير إلى الوقاحة. وبالتأكيد ليس كل تعبير عن رأي ما يعتبر وقاحة في كثير من الأحيان يجب قول الحقيقة أو التعبير عن الرأي مهما كان مرا.
في حالة مجلة إيبدو، صراحة لم أتابع خطها التحريري يوما وحتى في محيطي لم أسمع عنها الشيء الكثير وأعتقد أن حملات الهجوم الغوغاء من قبل المسلمين هي من زادت شهرتها، وهذا لا يعد حكما وإنما رأيا يحتمل الخطأ.
لكن إذا حاولت أن أبدي رأيا سطحيا في الموضوع، سأقول أن من حق أصحاب الريشة رسم ما يريدون في مجلاتهم، وكذلك من حق الأقلام أن تكتب ما تريد، لأنها تعبر عن أفكار في ظل احترام خصوصيات الآخر وبعيدا عن التشهير و القدف. حتى إن تعلق الأمر بدين ما فحتى الدين نعم وجب وضعه في الميزان ونقده كغيره من الأفكار، وحين يكون النقاش فكريا فبالتأكيد لن يولد غير الأفكار.
لكن لا يجب أن نرد على الفكرة بالعنف أو بالسب والقدف والشتيمة كما يحدث في العالم الإسلامي. ردود الفعل عند المسلمين دائما ما تتعدى الواقع وتكون تارة خطيرة كالقتل والترهيب، أو بغوغائية وسب وقدف… وهذا بالتأكيد لا يعطي النتيجة المحمودة ويكرس همجية هؤلاء القوم عند الغرب وتصبح وجهة النظر صحيحا كوصف المسلمين بالإرهاب. قد يغضب الكثيرين من هذا الكلام لكن ينقسم المسلمين بين قسمين كبيرين أكبرهم لا قدرة له لرد الصاع يؤيد العمل الارهابي والعنف، وقسم يعتبر أن هذه الصفات لا تمت بالصلة للإسلام. بينما قلة ترى أن الحل الأنسب هو الضرب على الرقاب. وقلة مناقضة ترى أن من حق أي كان التعبير عن أفكاره ولا يحق للمسلمين الغضب حتى ولو تعلق الأمر بنبيهم.
الخوض في ردود الفعل لا يسمن ولا يغني من جوع دون الرجوع للمحرك الأول، وهنا الكاريكاتير، باعتباره فنا تعبيريا طالما حمل رسالات لم تستطع التعبير عنها مقالات مطولة، بل وبسبب التطور التكنولوجي انبثق قسم جديد من هذا التعبير يعبر عنه بالإنجليزية ب”الميمز” فهذه الصور الساخرة انتشرت في العالم الإسلامي كذلك كما في العالم ولم يعد فهمه عصيا بل أصبحت جزء من ثقافة عالمية موحدة، العديد من الأشخاص اكتسبوا مناعة قوية بسبب هذه الصور و باتوا يفرقون بين الجد والهزل، حتى ولو حمل محتوى سياسي أو ديني في عديد المرات.
المجلات والجرائد لم تعد وحدها من تحتكر الرأي و إنتاجه بل أصبح هناك خط مواز في وسائل التواصل الاجتماعي. يمكن أن يكون حتى أقوى من تأثير المجلات والجرائد. وكان من السهل على من يريد الرد على ما سمي بإساءة للرسول بنفس الطريقة ومجابهة الفكرة بالفكرة، هذا إن كان فكرة من الأساس، فالواقع بعد اطلاعي على أحد رسومات مجلة شارلي إيبدو، لم ألحظ أي إبداع أو فكرة في الموضوع، فقد كان بالإمكان أن يطرحوا مشاكل أكبر و أعمق وذات حمل فكري، والتي بالمناسبة لا يجد عديد المسلمين الحرج في نقاشها، فمثلا الأفكار التي يطرحها المصري شريف جابر أو المغربي هشام نوستيك الملقب بكافر مغربي، أكثر جرأة وتحمل وزنا فكريا يترك مساحة للعقل من أجل مناقشتها والتبين من مصداقيتها أو الرد عليها. لكن الموضوعات المناقشة من قبل المجلة الفرنسية لا تتعدى كونها تهريجا رديئا، وقد كنت أتقزز من ردود المسلمين عليها أو على إيمانويل ماكرون بصور رديئة، والصراحة تقال أنهما من ذات الوزن. لنخلص في النهاية أن المعركة بين معسكرين بينهما فجوة كبيرا ويعبرون بأسلوب رديء.
إلى هنا لا يبدو الأمر خارجا عن المألوف، لكن الغريب هذه المرة وبعد اغتيال مدرس التاريخ الفرنسي، أن تصب السلطات جام غضبها على المسلمين غربا وشرقا، بل وأن تقوم مؤسسات حكومية بتعليق الكاريكاتير على واجهة مبانيها، وهذا ما يعتبر خرقا واضحا لحيادية الدولة وعدم التزامها بعلمانيتها. الحيادية تقتضي أن تسهر الدولة على حماية الرأي وهنا حماية المجلة ومحرريها ومعها أصحاب الرأي. وفي نفس السياق هي مجبرة على احترام وسيادة القانون وبأن العقاب والإدانة يتم بالمحاكمة لكل من أخل بالأمن العام أو بحياة الآخرين سواء عن طريق التنفيذ أو التهديد. لكن لا يمكن الدخول في دوامات الصراع الإيديولوجي، فقد يكون مقبولا من المواطن أو الفرد، لكنه غير مبرر من أهل السلطة.
تصريح وزير الداخلية الفرنسي والذي بالمناسبة ترجع أصول أجداده للجزائر، حول قضية وجود الأطعمة الحلال في المحلات التجارية وعن مساهمة هذا في شرخ وتقسيم المجتمع الفرنسي يعتبر من الغباء بما كان. في كل الأسواق الكبرى تجد تنوعا حضاريا كبيرا في شقه الأكبر بعيد عما هو ديني بل مجرد تنوع ثقافي، فهل الأمر هنا ينطبق أيضا على رفوف السوشي الياباني، أو رفوف الوجبات التايلندية؟ ينسى وزير داخلية فرنسا أن أساس الثقافة الفرنسية هو التنوع فرنسا التي تتجلى قوتها الاقتصادية، الثقافية وحتى الرياضية في تنوعها وانفتاحها على العالم ولولا هذا لما كان لفرنسا ذات الصدى العالمي.
العلمانية ليست دين وليست بديلا له ولا حتى خصما. هي نظام يفرض التوازن بين مختلف التوجهات والأفكار، في معتركها يترك كل فرد خلفيته وراءه ويناقش وفق مفاهيم إنسانية بنيت بمنهاج فكري علمي وعملي.














