عبد السلام الصديقي : مشروع قانون المالية 2021: سحر الأرقام

3 نوفمبر 2020
عبد السلام الصديقي : مشروع قانون المالية 2021: سحر الأرقام

يخضع، حاليا، مشروعُ قانون المالية برسم سنة 2021 للمناقشة داخل لجنة المالية، وذلك في انتظار مناقشته في الجلسة العامة العلنية. وهو مشروع قانون يحظى بكثير من الأهمية ويُثير غيرَ قليلٍ من النقاش، بالنظر إلىأنه من خلاله تعلن الحكومة عن نواياها وعن القرارات التي تعتزم اتخاذها خلال السنة الميزانياتية المقبلة، بل وَحتى ما بعدها، إذا أخذنا بعين الاعتبار البرمجة ثلاثية السنوات بالنسبة للنفقات. ولا ينبغي لهذا النقاش أن يظل مُنحصراً بين البرلمانيين والحكومة فقط، أوبين البرلمانيين المنتمين للأغلبية وأولئك المنتمين للمعارضة، بل إنه من المفيد أن يمتد أيضا إلى مساهمين وفاعلين آخرين من خارج المؤسسة البرلمانية، طالما أن القضايا المطروحة في مشروع قانون المالية تتعلق بحياتنا اليومية. ومن الضروري،طبعا، أن يكون المرء متمكنا من حد أدنى من الخبرة لإدراك التضاريس المالية والميزانياتية، وأن يكون متملكا، نسبيا، للأدواتالتي تؤهله لمساءلة المعطيات وتحليلها وتقريبها من الواقع الملموس. من هذا المنظور، سوف نعالج في هذا المقال إشكاليتين أساسيتين: الاستثمار العمومي، ثم المناصب المالية. بخصوص الاستثمار العمومي، بمفهومه الواسع، فقد تم تقديره في مستوى لم يسبق له نظير، بغلاف مالي هو 230 مليار درهماً، أي ما يُعادل 20% من الناتج الداخلي الخام. ويُوزَّع هذا الغلاف على النحو التالي: 85.1 مليار درهما يعود للميزانية العامة للدولة وللحسابات الخصوصية للخزينة؛ ثم 45 مليار درهما لصندوق محمد السادس للاستثمار؛ و81.1 مليار درهما للمؤسسات والمقاولات العمومية؛ وأخيرا 18 مليار درهما للجماعات الترابية. لا يمكن لهذه الأرقام المُعبر عنها بشكل مُجَرّد ومُطلق سوى أن تثير الإعجاب. فمن له الجرأة للاحتجاج على كون الدولة تتحمل هذا المجهود الهائل للاستثمار، والذي يعادل مرتين تقريباً ما يقوم به القطاع الخاص، علماً أن معدل الاستثمار الوطني يتراوح حول نسبة 32% ؟ فقط أولئك الذين يحنون إلى الليبرالية المتشددة التي وَلَّـــى عهدها، قادرون على المناداة بالفضيحة !! مع كل ذلك، حينما نحلل الأرقام عن قرب، ونُــزيل القشرة الخارجية، فوراً تعود الأمور إلى نِــسَبٍ متواضعة. بدايةً، الأمر يتعلق بالتوقعات التي تظل، على أية حال، رهينة بالعديد من التقلبات واللايقينيات. فالنفقات مرتبطة بالموارد القابلة للتعبئة. وهذه الأخيرة مرتبطة بدورها بمجموعة من المتغيرات الداخلية والخارجية. وحينما نعلم أن معدل إنجاز الاستثمارات المنتظرة نادراً ما يتجاوز 60% في السنوات العادية، فماذا عسانا أن نتوقع في سنة حبلى بالمخاطر ومفتوحة على كافة الاحتمالات؟! على هذا الأساس الإحصائي العلمي، ودون ادعاء التنجيم الغيبي، سوف لن يتجاوز الاستثمار العمومي 140 مليار درهما، أي 13% من الإنتاج الداخلي الخام. من جهة أخرى، وأخذا بفرضية متفائلة تقوم على توقع تحقيق أعلى معدل إنجاز ممكن من الاستثمار العمومي، ينبغي التأكيد على أن سنة 2021 هي سنة لتدارك التأخير المُسجل خلال سنة 2020، بالدرجة الأولى، إذ أن الجميع يعلم تأثير الأزمة الصحية والحجر الصحي على الوضع الاقتصادي والمالي، حيث توقفت العديد من الأوراش العمومية، ومن المنتظر أن تكون نتائج هذه السنة 2020 متواضعة جدا، خاصة تلك المتعلقة بالمؤسسات والمقاولات العمومية والجماعات الترابية. ومن جهة ثالثة: إذا وضعنا جانباً الأموال المرصودة لصندوق محمد السادس للاستثمار، ينخفض الاستثمار العمومي إلى 185 مليار درهما، وهو مستوى قريب مما تم رصده برسم سنة 2020 (182 مليار درهماً)، وهو مستوى أقل مما تم تخصيصه برسم سنة 2019 (195 مليار درهماً). وتنبغي الإشارة أخيراً إلى أن الاستثمار المسجل برسم الميزانية العامة للدولة يضم أيضاً التكاليف المشتركة التي يُحَوَّلُ جزءٌ منها إلى القطاع الخاص. ألا يتم احتساب هذه التحويلات بصفةٍ مكررة؟! إنه سؤال يستحق فعلا النقاش. :

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق