المرأة هي أساس تكوين المجتمع وتطوره، وأهم ركائز الأسرة وبنائها، فالمرأة هي نصف المجتمع بل المجتمع كله، فهي الطبيبة ،والمعلمة، والمربية، ومصنع الرجال، فهي الأخت الحانية، والإبنة المطيعة، والزوجة التي تسطر قصص العظام من الرجال.
وقد كرم الإسلام المرأة وأوصى بها فقال نبينا الكريم:” استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان” فالعالم بلا مرأة كعين بلا بؤبؤها، كحديقة بلا أزهار، كالشمس بلا أشعة، فتغنى الشعراء والأدباء في القصائد لجمالها ومكانتها إلا أن الواقع ينطق بحروف أخرى.
فهي التي تكابد صباحا لكسب لقمة العيش ثم تكابد مساء في بيتها لتربية الأبناء والقيام بواجبات البيت التي لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك نسمع قصصا وحكايات عن نساء قضين سنوات من العمر في عطاء مستمر ، وبذل أموالهن، وأوقاتهن لمن يعيشون معهم من أزواج وأبناء وأهل، وماهي إلا زهرة العمر تذبل وتتبدل الأحوال وينكر الجميل ويتم التخلي عنهن في أبشع صورة للنكران وضياع المعروف.
فنسب الطلاق في مجتمعنا في ارتفاع كبير ومخيف… فبالرغم من أن كلا من الرجل والمرأة تعرضا للطلاق إلا أن من يدفع ضريبته تكون المرأة لتغوص في تجربة أشد من محنة طلاقها، فأطماع الرجال حولها ترشقها بسهامها، وعيونا ترميها بنظرات تهزمها بلومها، تشعرها بعارها وذلها ومهانتها، وألسنة تقذفها بشرارها، فتصليها عبارات بكلمات كرصاص البنادق تخترق قلبها، فتوقعها صريعة تلفظ آخر أنفاسها، وآخر ما تبقى من كرامتها، وحريتها، وجمالها ،وإحساسها بإنسانيتها، كأنها أصبحت عالة على المجتمع.
ففي كل يوم نتابع بألم معاناة الأطفال بعد الطلاق وما يصيبهم من تشتت وضياع لكثير من المشاعر وغياب القدوة ومعاناة في المحاكم والقضايا العالقة بين الأبوين… فلماذا هذه الأنانية والتحدي المقيت الذي يروح ضحيته أبرياء في عمر الزهور؟.
الإعلام بدوره هو الآخر يسلط الضوء على معاناة المرأة في المجتمعات الأسرية والمهنية بشكل واضح ولكن لا جديد يذكر في حل لكل تلك المعاناة.
قصص معاناة النساء في حياتهن الخاصة متعددة ومتنوعة، وفي بيئات العمل روايات قد لا يصدقها عقل، أما في الشارع العام فحدث ولاحرج.
هناك تسلط ذكوري واضح ومحاولات مستميتة للتقليل من شأن المرأة وقدرتها في اتخاذ القرار الصائب وأحقيتها في تولي المناصب القيادية العليا ومحاولة تشويه صورتها بأي طريقة كانت وبمختلف الطرق. فهذا يعتبر في حد ذاته قمة الظلم والعبث وخيانة الامانة المهنية.
فكم من امرأة شردت، وكم من مرأة اغتصبت، وكم من مرأة عنفت، وكم من مرأة كانت عرضة لأقصى أشكال الاستغلال: الشفقة من أن تستغل المرأة لتحقيق غايات سياسية لأطراف وتيارات لا يهمها شيء سوى مصالحها الضيقة، والخوف من أن تكون المرأة قد وقعت ضحية لابتزاز فكري قد يؤثر مستقبلا على الكثير من مجتمعاتنا المعاصرة، استغلالها في شركات الإعلان التي تستحضر صورة امرأة فاتنة لتستعرض جغرافية جسدها في الإعلان المصور، بهدف الترويج لمنتجات والتحفيز على شرائها، استغلالها عاطفيا تحت ستار العلاقات الافتراضية المزيفة، استغلالها جسديا…وماخفي أعظم.
ففي دوامة هذه الاضطهادات التي لازالت تعيشها المرأة ليومنا هذا، أصبحت هذه الأخيرة تدخل في صراعات نفسية تشكك في استقلاليتها ككيان، فأصبحت ترى بعين يغمرها اليأس والقنوط والتدمر، كالتي ترى المجتمع هالكا والتغيير فيه متعذرا لا تخلع عن عينيها النظارة السوداء القائمة، فلا تبصر الطل والندى، ولا الزهر والكلأ.
فلم يكن وضع المرأة هذا مختلفا عن ما كان عليه سابقا، فقد مر هذا الوضع من حقبة إلى حقبة بمراحل من التمييز والاضطهاد، رغم أن الإسلام ركز في جميع تعاليمه وأحكامه على رفعة المرأة وتعزيز مكانتها، وكان اهتمامه بها سباقا نوعيا. فإلى متى ستبقى المجتمعات رهينة ثقافة عقيمة ترى في المرأة نقصا وعيبا وأن الرجل هو الأقوى والأجدر؟
في الحقيقة، لازلنا نحتاج أن نعيد فهمنا لنظرة المجتمع للمرأة ولمكانتها داخل المنظومة الاجتماعية، وكنواة داخل أسرتها، ولأدوارها ووظائفها لنؤهلها لتكون مربية الأجيال القادمة وحاملة لرسالة التقدم والازدهار لأمتنا، لأنها باختصار النصف الآخر من المجتمع الذي يلد النصف الآخر ، فرفقا بالمرأة.














