سبق وأن أكدنا في مقالات سابقة، أن هناك منهجيتين أو أسلوبين للإدراك والوصول إلى الاقتناع بديانة ما. سواء الاقتناع بما أنزل حرفيا وعدم التجرؤ بتاتا على مناقشة مضامينه أو محاولة الفهم والتقصي والمساءلة والبحث من أجل الاقتناع والطمأنينة. تكملة لما سبق ومحاولة لنفض الغبار على بعض المواقف والمفاهيم التي نعتبرها دخيلة على الدين الإسلامي ومقاصده النبيلة، نطرح مفهومًا آخر وبعدًا منهجيّا آخر، من شأنه مساعدتنا على فهم وإدراك هذه المقاصد الشرعية. يستند هذا البعد المنهجي على تحضير السلطة الشرعية والسلطة العقلية في آن واحد عند محاولة تدبير القرآن. لماذا؟ لأنّه وببساطة، هناك الكثير من وقائع في القرآن لا يمكن أن يدركها العقل أو الفكر البشري إن لم نستحضر المادة الألوهية والدينية والروحية. وموازاة، هناك الكثير من التسلسلات والروايات لا يمكن فهم مبتغاها إلا باستحضار البعد المجازي كقصة الخضر (القدر)، أو البعد المجتمعي كقصة زيد وزينب بنت جحش، إلخ.
لنجزم أولا بالبديهية التالية، (وهذا ما يؤكده العديد من العلماء والباحثين والمفكرين والفلاسفة الكبار)، وهي أن محاولة فك ألغام المقاصد الشرعية والدينية وتفسير معانيها ومغازيها بالعقل والمنطق يؤدي حتما إلى نوع من العزوف والتردد والشك. وهذا طبيعي جدا، نظرا لصعوبة الاستيعاب والفهم بالعقل والمنطق والموضوعية للكثير من القصص والآيات الدينية. على سبيل المثال فقط، نسرد قصة الخضر، قصة زينب بنت جحش، الإسراء والمعراج، سورة الكهف، الخ.
وبالمناسبة فالكثير من الملحدين، إن لم يكن كلهم، يبنون موقفهم هذا على فرضية مبدأ المادية (أي ما نراه ونلمسه ويقبله العقل والمنطق). وهنا يكمن الخطأ. وهذا ما سنحاول تبيانه وتفسيره.
لنركز لحظة، على الآية التالية ونحاول فهم مقاصدها وتداعياتها. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الإسراء الآية 85. (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا). الشق الثاني من الآية، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، جد واضح ويستوعبه ويدركه العقل، ومؤكد علميا. لماذا؟ لأن وبكل بساطة، كل الباحثين والعلماء، دون أي استثناء، يؤكدون ويؤشرون أن كل ما يدركه العقل من العلم والمعرفة والإبداع والاجتهاد والابتكار لا يشكل سوى قطرة صغيرة جدا من بحر كبير وكبير جدا. ذلك أن البحث العلمي المستمر في أي مجال (وما أكثر مجالات البحث)، كلما تبحرت في أحشائه، كلما أدركت وتأكدت من شساعة موضوع بحثك. لنتأكد فعلا وباستمرار أننا لم نوتي من العلم إلا قليلا.
الشق الأول من الآية، (ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) تحثنا على وضع السؤال على محدودية العقل. هناك الكثير من المجالات لا يمكن للعقل البشري إدراكها قطعا والجزم واضح من الله سبحانه وتعالى. الروح من أمر ربي. الغيب من أمر ربي. القدر من أمر ربي…
قوله تعالى في سورة الإسراء، الآية 1. (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصا). العقل البشري لا يمكن له أن يدرك الشق الأول من الآية، وكيف له أن يدرك ذلك. كيف للعقل البشري تصور رحلة الرسول محمد (ص) مع سيدنا جبريل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في لحظة من ليلة من ليالي الزمن البعيد. هنا يجب مناداة والاستنجاد بالبعد الديني والمعجزات الإلهية. لأن العقل البشري عاجز عن تصور أو استيعاب هذه السيرورة الزمنية. وهنا لدينا خياران لا ثالث لهما. إما أن نؤمن بالمعجزة الإلهية، وبالتالي عدم إدراك العقل البشري للكثير من الجوانب الخفية التي لا إرادة لنا فيها وهذا واقع نعيشه يوميا ويثبته العلم باستمرار. أو نقتنع أن لا مكان في إدراكنا وفهمنا للحياة إلا من زاوية ما تراه العين المجردة وتدركه الحواس (الحس المادي). وبالتالي نؤمن أو نكفر. وهذا حق لكل منا ما دام القناعات تختلف، المبادئ تختلف، الثقافات تختلف، المنظومة التربوية تختلف، السلوكيات تختلف…
الشق الثاني من الآية “من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى”. هذا الشق له دلالة تاريخية وعلمية. في ماذا تتمثل هذه الدلالة؟ تتمثل في استقراء الكثير من الظواهر العلمية، من بينها أساسا الجانب الحضاري والمعماري و السوسيولوجي والاجتماعي و …
صحيح، والعقل البشري والبحث العلمي يؤكد ذلك، أن الإنسان عاجز عن شرح وفهم الكثير من الظواهر الطبيعية والمعطيات الواقعية. وهذا لا يعني ولن يعني أبدا أنه ليس بإمكانه الاستمرار في البحث والتطوير من أجل إزالة اللبس وفهم كل ما يساعد على الارتقاء بالإنسانية إلى أعلى مستويات الرقي والازدهار.
منهجية ازدواجية وتكامل البعد الروحي والبعد العلمي في فهم المقاصد الدينية لا تدحض مبدأ العقلانية والنقدية في تناولنا لمجالات البحث والمعرفة. بل تلزمنا بالتحلي بالمناهج والآليات العلمية الدقيقة من أجل البحث عن الحقيقة والاقتناع بها بالعقل.
ومن جانب آخر، يجب أن لا تنسينا هذه المنهجية أي منهجية استحضار البعد الروحي في فهم القرآن، الدور المحوري للعقل في إفراز الحقائق والقناعات. حتى لا يصبح الدين أفيونا للشعوب، حسب اللغة الماركسية، أي مخدر للعقل ومسكن للإبداع والمعرفة.
وأخيرا وليس آخرا، نختم هذا المقال بالآية الكريمة (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ). الملائكة خلقوا من أجل الطاعة والامتثال لأوامر الله عز وجل. ولم يخالفوا هذا المنطق، ولو بالمساءلة أو التردد أو وجه من وجوه الاعتراض ولا مرة واحدة إلا عند خلق الإنس (إني جاعل في الأرض خليفة). وقد وصفهم الله تعالى بأنّهم لا يسبقونه في القول أي لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه. وهنا عند خلق الخلق في الأرض وضع السؤال وطرح الإستفسار “أتجعل فيها”. ما يهمنا حصرا في هذه الآية وبعلاقة بمحور المقال نستخرج منها فكرتين أساسيين. الأولى أن في تساؤل الملائكة، ضمنيا، علم بالغيب. الملائكة يعرفون مسبقا أن خليفة الله في الأرض سيفسد وسيسفك الدماء. وبالتالي نستنتج شساعة المساحة المعرفية عندهم. الثانية هو جواب الله عز وجل، (إني أعلم ما لا تعلمون). وهذا يعني أن هناك مجالات معرفية لا يعلمها إلا الله. وهنا نستحضر مرة أخرى محدودية العقل البشري وعجزه على تفسير وتبيان وفهم كل ما يحوم من حولنا. ومن هنا تتضح ضرورة إدماج البعد الروحي، كرافد منهجي، من أجل توضيح الرؤية أكثر.
(“الله يحكم بينكم يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون). سورة الحج. الآية 69.














