ونحن نوجه البوصلة نحو قضية الراحل عبد الوهاب بلفقيه ليس الهدف النبش في تضاريس الواقعة المتشابكة، أو إعادة تفكيك بنية ما جرى، أو حتى التيهان في فنجان الفرضيات والاحتمالات؛ ولكن من باب احترام سلطة القضاء الذي لا يمكن لأي طرف أن ينوب عنه، ولا يمكن لأية جهة أن تقوم مقامه. وإثارتنا لهذا الموضوع تحكمت فيها الرغبة في مقاربة طريقة تعامل بعض الصحافة الإلكترونية بالأساس مع الخبر، الذي انتشر في الوسط الإعلامي ومواقع التواصل الاجتماعي كما تنتشر النار في الهشيم؛ وهي طريقة حضرت فيها بعض مشاهد اللخبطة والارتباك، كما حضرت فيها بعض صور الخروج عن المهنية وأخلاقياتها، سواء على مستوى الحالة الصحية للراحل، حيث تضاربت الأخبار حول وفاته وحياته، كما تضاربت الأخبار بين “الانتحار” و”القتل”، مما أدخل المتلقي في حالة من الغموض والضبابية والإبهام، خاصة في غياب الخبر الرسمي. وما زاد طين الارتباك بلة هو الهرولة نحو نشر بعض التصريحات الأخيرة للراحل، بما فيها الرسالة التي أعلن فيها عن خبر اعتزاله للعمل السياسي.
وفي هذا الإطار، نشير إلى أنه، وفي قضايا حساسة من هذا القبيل، لا يهم من يبادر إلى السبق الصحافي؛ بل من يضع المتلقي في صلب المعلومة الصحيحة، التي لا يمكن نقلها إلا عبر المصادر الموثوق بها، من باب المهنية واحترام أخلاقيات المهنة ومراعاة لحق المتلقي في الوصول إلى المعلومة الصحيحة.
أما فيما يتعلق بموضوع الانتحار أو القتل، فإذا كانت بعض المواقع والجرائد الإلكترونية قد تاهت بين الفرضيتين، فهذا التيهان لا يمكن القبول به مهنيا وقانونيا؛ لأن الصحافي هو “ناقل للخبر”، وليس “ضابط شرطة قضائية” يضطلع بمهام وصلاحيات التثبت من وقوع الجرائم والبحث عن الأدلة الجنائية وإجراء المعاينات الضرورية وحجز أدوات الجرائم والاستماع إلى الشهود وإيقاف المشتبه فيهم وغير ذلك من المهام والصلاحيات التي تتوقف في شموليتها عند حدود الأبحاث والتحريات التي تتم تحت إشراف النيابة العامة، ليبقى القضاء في آخر المطاف هو السلطة الوحيدة التي تمتلك سلطة تكييف الجرائم وإدانة الأشخاص الذين يشتبه في تورطهم فيها.
وحتى القضاء نفسه، لا يمكنه أن يحسم “مبكرا” في مسألتي الانتحار أو القتل، ما لم يضع بين يديه ما توصلت إليه الضابطة القضائية من أدلة ومعطيات وقرائن، بناء عليها يمكن إثبات فرضية الانتحار أو تزكية طرح القتل.
وبالمقابل، نجد بعض الصحافة سارعت إلى نقل خبر الانتحار، وأخرى مالت إلى كفة القتل عبر الإشارة إلى خبر “تعرض المعني بالأمر إلى طلق ناري”؛ بينما الصواب كان يقتضي انتظار صدور بلاغ الوكيل العام للملك حول المعطيات الأولية للنازلة. ونرى أنه كان من الأجدر عدم هدر الزمن في الخوض في أمور جنائية صرفة من اختصاص الشرطة القضائية والقضاء، والانخراط في فتح نقاشات رصينة بشأن ما للحادث المؤلم من تداعيات على المسلسل الانتخابي والبناء الديمقراطي وعلى واقع الممارسة الحزبية والسياسية برمتها بشكل يقطع بشكل لا رجعة فيه مع ممارسات من هذا القبيل، والتي لا يمكن القبول بها، اعتبارا للمكانة التي بات يضطلع بها المغرب في محيطه الإقليمي، وقياسا لحجم التحديات المرتبطة بالوحدة الترابية، وقياسا للرهانات التنموية المطروحة التي تفرض التعبئة الجماعية ووحدة الصف.
ما حدث في تغطية الواقعة من انزلاقات مهنية وقانونية هو امتداد للكثير من الصحافيين الذين يدفعهم هاجس وهوس السبق الصحافي أو الإثارة، سعيا وراء اقتناص أكبر قدر ممكن من نسب المشاهدات والمتابعات، دون الاحتكام إلى ما يؤطر المهنة من ضوابط مهنية وأخلاقية، والاحتراز من الوقوع في بعض المنزلقات القانونية. وهنا نشير إلى أن بعض الصحافيين وبدل الاكتفاء بنقل الخبر يقودهم فضولهم الإعلامي إلى تقمص دور “ضباط الشرطة القضائية”، فيبادرون إلى استدعاء الضحايا والمشتبه فيهم، ويخضعونهم إلى الاستجواب، حتى قبل أن تستجوبهم الشرطة القضائية، والبعض منهم وصلت به الحماسة إلى حد استجواب مشتبه فيهما في قضية قتل والبحث معهما حول ظروف وملابسات الواقعة عبر المباشر، بل ومرافقتهما إلى مركز الشرطة لتسليم أنفسهما، مع توثيق ذلك بالصوت والصورة، بكل ما لذلك من مساس بالحق في الصورة ومن تشهير وركوب على مآسي المعنيين بالأمر وتعريض حياتهما إلى الخطر، وتأثير على مشاعر أسرة الضحية القتيل، وضرب لعمل الشرطة في الصميم، وتكريس للإحساس بانعدام الأمن.
وربما آخر المشاهد، ارتبطت بقضية ما بات يعرف بقضية “النقط مقابل الجنس”، حيث تم استدعاء المشتبه في تورطه في القضية من قبل أحد المنابر الإعلامية، وتم الشروع في البحث والتحري معه حول الأفعال المنسوبة إليه على المباشر، وتم تمكينه من فرص الدفاع عن نفسه وإثبات براءته أمام المشاهدين والمتتبعين، دون مراعاة لقرينة البراءة ولا لسرية الأبحاث القضائية ولا لحقوق الضحايا المفترضين، بكل ما لذلك من تشهير وركوب على المأساة سعيا وراء الإثارة أو “البوز”، وتدخل واضح في مهام واختصاصات الشرطة القضائية المعنية بالأبحاث والتحريات الميدانية وجمع الأدلة الرقمية، بل والخوض في تفاصيل قضية مفتوحة أمام القضاء، كان يفترض التعامل معها بنوع من الحياد، لحساسيتها وتداعياتها المتعددة الزوايا، إلى حين أن يقول القضاء كلمته فيها، وحينها لا مانع من الخوض في القضية مادامت الأدلة والمعطيات والقرائن متاحة للجميع.
هي، إذن، ممارسات من ضمن أخرى امتدت حتى إلى عدد من القاصرات والقاصرين الذين لم يسلموا من التصوير والاستجواب دون مراعاة لا لقصر سنهم ومحدودية مستواهم الإدراكي، تضعنا أمام صحافيين يتحولون بوعي أو بدونه إلى “ضباط شرطة قضائية” لا تنقصهم سوى المحاضر والتقارير والأصفاد.
ومن باب التوضيح نشير إلى أن الصحافي من حقه الوصول إلى المعلومة التي تحقق السبق الصحافي؛ لكن ليس من حقه خرق مقتضيات قانون المسطرة الجنائية وليس من حقه الترامي على شرطة قضائية نظم القانون مهامها واختصاصاتها. كما ليس من حقه استجواب أشخاص موضوع أبحاث قضائية ضحايا كانوا أو مشتبها فيهم.
وإذا كان “الخبر” هو أساس الصحافة وسر وجودها، فيفترض الحصول عليه عبر القنوات الرسمية والمصادر الموثوقة، احتراما للمتلقي وأحقيته في الحصول على المعلومة الصحيحة.
وفي هذا الإطار، فإذا كان الصحافي، الذي يقف وراء ممارسات من هذا القبيل، يتحمل المسؤولية الأخلاقية والقانونية كاملة من باب “لا يعذر أحد بجهله للقانون”، فإننا نرى أن المسؤولية ذاتها يتحملها بدرجات ومستويات مختلفة بعض مديري النشر ورؤساء التحرير الذين وبدل المراقبة والتوجيه والتأطير والحرص على المهنية وأخلاقيات صاحبة الجلالة، يفرضون على الصحافيين إنتاج قدر معين من المواد والمحتويات في اليوم، في إطار المردودية، دون اعتبار لجودة وقيمة ما ينتج.
وفي ظل هذا الواقع، فالصحافي يلجأ إلى أبسط الطرق المتاحة لتقديم أخبار أو عرض وقائع أو حتى فضائح، يحقق عبرها “المردودية” المطلوبة، ولا تهمه المهنية والأخلاق والجودة وحتى احترام أذواق المتلقين وحقهم في المعلومات الصحيحة، والمهم هو أن “يكون العام زين” كما يقال، وتتحرك الناعورة ويكون الرواج ويتحرك عداد المشاهدات والمتابعات.
ولا يمكن حصر المسؤولية في حدود بعض مديري النشر ورؤساء التحرير والصحافيين الذين يشتغلون تحت إمرتهم، بل يمكن توسيع الدائرة لتشمل الأجهزة الرقابية المرتبطة بالصحافة والنشر، وفي طليعتها “المجلس الوطني للصحافة” الذي لا بد أن يتدخل لكبح جماح صناع العبث والتفاهة والسخافة باسم الصحافة.
هي، إذن، مسؤولية فردية وجماعية، يتحملها بمستويات مختلفة المجلس الوطني للصحافة والتنظيمات النقابية والمهنية ومديرو النشر ورؤساء التحرير والصحافيون.
وفي هذا الصدد، لا يمكن الارتقاء بواقع الممارسة المهنية إلا بالتقيد بضوابط المهنة وأخلاقياتها، والرهان على “التكوين المستمر” من أجل كسب رهان صحافة إلكترونية “مهنية” و”أخلاقية” قادرة على الانخراط في صلب ما ينتظره المغرب من رهانات تنموية وما يواجهه من تحديات خارجية، موازاة مع أدوارها المحورية في التأطير والتوعية والتحسيس والتثقيف والارتقاء بمستويات القيم والأذواق. حينها، يمكن للصحافيين أو بعضهم على الأصح أن يستوعبوا أن “الصحافي” ليس بضابط شرطة قضائية ولا بقاض أو محام، فلكل طرف مجاله وعالمه، وللصحافي بلاط اسمه “صاحبة الجلالة”.
ونختم بتحية كل الصحافيين المهنيين الذين يماسون مهنة الصحافة بوعي وإدراك واجتهاد، وبرقي وحس مواطن، وبالتنويه بكل المنابر الإعلامية التي تشتغل في إطار ضوابط المهنة وأخلاقياتها، وتجتهد في تقديم محتويات إعلامية رصينة، بعيدا عن جائحة العبث، على الرغم من قلة ذات اليد أحيانا.
وإذا خصصنا المقال لوضع الصحافة تحت المجهر، فليس الهدف إشهار أسلحة القصف أو العتاب أو الإدانة أو توزيع صكوك الاتهام؛ لأننا لسنا بقضاة ولا بمحامين ولا حتى بضباط شرطة قضائية… والهدف الذي أسال مداد القلم هو أحقيتنا المشروعة في إعلام “مهني” و”أخلاقي” يجعل من الصحافة مرآة عاكسة لمغرب، نعترف جميعا أنه “ليس كمغرب الأمس”.














