منذ الصائفة الماضية والنظام العسكري الجزائري، يبدع في إخراج قصاصات تجعله ضحية المؤامرات الخارجية، فبعد ٱدعائه مغربية النيران التي أتت على مجال واسع من الغابات الجزائرية، هاهو اليوم يذيع أنه ضحية مؤامرة خارجية تقف وراءها إسرائيل ودولة معادية في شمال إفريقيا لم يسمها النظام العسكري بالإسم تحديدا، وتبعا لتراتبية الأحداث، فإن هذا الاتهام جاء مباشرة بعد أزمة فرنسية جزائرية عقب تصريحات ماكرون، ولعل نظرة خاطفة وسريعة، تجعل المتتبع يكتشف أن من بين أهم أهداف التمسك بمؤامرة خارجية ضد الجزائر بقيادة إسرائيل، إنهاء الغضب الداخلي تجاه ما بثه ماكرون من أقوال نعت فيها الأمة الجزائرية بأنها دولة لم يكن لها تاريخ أصلا، خصوصا وأن الداخل الجزائري تابع بدقة برودة الرد الديبلوماسي الجزائري على هذه التصريحات، والتي لم ترق إلى تعاملها
مع المغرب إبان الادعاء بٱفتعاله الحرائق، رغم أن أقوال ماكرون تناقلتها وسائل إعلام خارجية وهي ثابتة، في حين لا تمتلك الجزائر أدلة على ضلوع المغرب في الحرائق.
إن الفكر السياسي يشهد أن الأنظمة المتهاوية تستنجد بأي حدث يجعلها تستعيد الالتفات الوطني الداخلي حولها، وتستطيع من خلاله تقديم نفسها أنها الضامنة لوحدة التراب الوطني، لكن الإيغال في نظرية المؤامرة وٱدعاء المظلومية، يسقط هذا السيناريو في خانة الرتابة وينتج نتائج عكسية، ذلك أن الجزائري عندما يجد أن النظام العسكري يحرص على تقديم صورة الجزائر الضحية، يمل من هذا الخطاب، ويراه غير موصوف بالمصداقية، فلو أن الجزائر تمتلك أدلة دامغة على تورط المغرب في الحرائق أو في أعمال تٱمر ضدها، ما ترددت ولو للحظة في جر المغرب إلى المحكمة الدولية، لكنها لا تملك ذلك، والقائمون على إخراج هذه القصاصات التٱمرية إلى الوجود يوقنون بأنها إنتاج للٱستهلاك الداخلي فقط، لكن الداخل الجزائري أصبح اليوم أقل ٱقتناعا بكل الأفلام الخيالية التي يقدمها مجلس الأمن الأعلى الذي يحكمه الجنرالات الجزائريون، فالتباكي دوما لا يجلب بالضرورة تعاطفا، فعلم النفس الاجتماعي يخبرنا بأن الذي يشكو دوما ظلمه من الٱخر، ويظهر نفسه أنه دوما الضحية، غالبا ما يكون هو الظالم الجاني، وأن إجراءه هذا ليس إلا أسلوبا للتلاعب بمحيطه الاجتماعي، والإيقاع بالأفراد الذين ينسج معهم علاقات ٱجتماعية حتى لا يكتشفوا حقيقته، ويعاضد هذا الطرح العلمي، أن أغلب الجرائم عادة ما يتحدث الجاني أولا وبصوت مرتفع مستبقا الأحداث لكي يظهر مظلوميته وبراءته من الشكوك، وفي هذا السياق صرخت زليخة(ما بال من أراد بأهلك سوءا)، وهي التي طلبته ودعته، لكن يوسف عليه السلام صمت في غياهب السجن، وصرخ إخوته قبل ذلك ( يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمومن لنا ولو كنا صادقين)، بعد أن صمت في غياهب البئر، ثم صرخوا ثانية(إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل)، وظل صامتا، (فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم) فالمظلوم عادة ما يتحدث مرة واحدة وبحرقة، في حين ينسج الظالم كل الأساليب من أجل المراوغة والتباكي والإفلات من أصابع الاتهام، ويصر علم النفس الاجتماعي على إظهار هذا الانحراف النفسي، حيث وضع له ٱسما علميا تحت مسمى”النرجسية المنحرفة”، حين يبدع الجاني قصاصات مفتعلة، ويرسم على وجهه ملامح المظلوم من أجل كسب محيطه الاجتماعي.
إن المظلومية سلوك قد يظهر في بعد فردي، وقد يأخذ مظهرا من مظاهر أسلوب دولة، لكن مهما ٱدعى الفرد أو الجماعة السياسة المظلومية فإن التحقيق تتهاوى أمامه كل الأباطيل، ما يجعل نظرية المؤامرة في بعض الأحيان قصاصات قصيرة الأمد لا يمتد عمرها في زمن الحقيقة، لأن التحقيقات لا تؤمن بٱفتعال الدموع، ولا بشجن الشكوى، وإنما تتعامل مع الأدلة المادية فقط.
طارق مرحوم
المظلومية السياسية














