تثار في بلادنا بين الحين والآخر جملة قضايا ترتبط بكيان (المرأة)، تندرج عندنا عادة فيما نسميه (موضوع المرأة)، ولكل طرف منطقه وطريقته الخاصة في النظر إلى هذا الموضوع. ونستطيع أن نسجل بسهولة، مدى الارتباك والغموض اللذين يلفان الكثير من أحاديثنا حول هذه (المرأة)، لأسباب يتداخل فيها الذاتي بالموضوعي، الفكري والنفسي، بالاجتماعي والتاريخي، ويظهر ذلك جليا في بعض المحطات، التي نتذكر فيها المرأة، ويهمنا أن نقول إننا معها، لأسباب وغايات معلومة، وغير معلومة، تفرضها اللحظة والمقام، تماما كما تلغيها اللحظة والمقام، ما يعني أن علاقتنا بموضوع (المرأة)، إذا صحت العبارة، تفتقر إلى الجدية والوضوح، هي علاقة توظيف واستعمال، لا علاقة رغبة في الفهم، وبحث عن إجابات ناجعة، ومعالجات مسؤولة.
لا حاجة بنا إلى التأكيد على غلبة المنحى الذكوري في التعاطي مع المرأة، في مجتمعنا، مع بعض التفاوت في الدرجة، فمازال الكثير من الرجال، أو الذكور بالأحرى، عندنا، يعتبرون المرأة كيانا ناقصا، بناء على مجموعة من التمثلات النفسية والاجتماعية والدينية، غير الواعية في أغلبها. والمؤكد أن هذه التمثلات تحتاج إلى الكثير من الإنصات والرصد، والفهم والتفهم، بغرض قراءتها وتحليلها وتفسيرها، بعيدا عن لغة العواطف المجنحة، والردود (الإيديولوجية) المتسرعة، فثقافة التنقيص من كيان (المرأة) لا يكاد يخلو منها مجتمع من المجتمعات، على اختلاف في ما بينها في درجات هذا التنقيص، وفي آثاره الواقعية، على المرأة والمجتمع معا. كل هذا يبدو صحيحا في عمومه، ويبقى السؤال الكبير، الذي يفرض نفسه علينا، ما العمل؟، وكيف يمكن التخلص من هذه النظرة المرتبكة والتنقيصية لكيان (المرأة)، بالنسبة إلينا.
مجمل المقاربات والحلول التي يتم اعتمادها تبدو عاطفية وظرفية، غايتها الظهور بمظهر من يشفق على هذه (المرأة)، ويخصص لها بضعة مواقع ومواضع، بأعداد محسوبة، يتم التداول بشأنها، زيادة ونقصانا، بحسب الحاجة والمسارات التي يتخذها النقاش، وبحسب المصالح القريبة، صعودا ونزولا؛ ويتم التعبير عن ذلك بكلمات ومصطلحات من قبيل (الكوطا)، التي تعني ببساطة، النسبة التي يتم تخصيصها للنساء، بما هن نساء، ويكون المقصود، في الغالب الأعم، هو بعض مواقع القرار والتدبير، أو ما تسمى كذلك، حيث تتحول بعض النساء، وبعض الفتيات الصغيرات، إلى ما يشبه أثاث الزينة (ديكور)، الذي يفيد في الإيهام بالمساواة، أو ما نسميه مناصفة، في حين أن الحقيقة غير ذلك تماما، فالمرأة كيان إنساني كامل، لا تستجدي المواقع، بلا استحقاق، ولا تنتظر من يغدق عليها ببعض ما فضل على الذكور، حتى لا أقول الرجال. هذه هي الصورة التي تليق بالمرأة الإنسان، التي تنتظر التمتع بنفس الحقوق والفرص، تماما كأخيها الرجل، في التعليم والتكوين، وفي الكرامة والاعتبار، وفي الانخراط في مناشط الحياة كلها، بكامل الحرية والمسؤولية، وبلا إكراهات وعوائق زائدة، يصنعها بعض الذكور البلهاء، ولها بعدها أن تختار مكانها الذي يليق بها، وتحدده كفاءاتها، ومؤهلاتها الشخصية والمعرفية والتدبيرية، ولن تحتاج بعدها إلى شفقة المشفقين، ولا إلى استغلال بعض الأنانيين، ومنعدمي الضمير من الذكور.
لم تكن النساء بهذا المعنى، وعلى امتداد التاريخ البشري، في حاجة إلى حسابات الذكور، ووعود الساسة المحترفين، يكفي أن نتأمل هذه الأسماء، من مختلف الحقب والمسارات، ليظهر المعنى، (بلقيس ملكة سبأ، صاحبة العقل والأمر، خديجة بنت خويلد، امرأة الأعمال، كنزة الأوربية، زوجة ومستشارة، مؤسس الدولة الإدريسية، خناثة بنت بكار، السيدة الحرة، مليكة الفاسي، ثريا الشاوي… )، وغيرهن كثير، وقبلهن وبعدهن كل أمهاتنا المرابطات في البيوت، وفي كل الأمكنة والثغور، على امتداد هذا الوطن. هل كانت هؤلاء النسوة، ينتظرن حظوة، أو مجاملة ملغومة من أحد؟ لقد كان وجودهن ضروريا حين امتلكن ما به يحققن هذا الوجود، وكان دورهن تاريخيا ليس لأنهن تفوقن على الرجال، كما نحب أن نقول، ولكن لأنهن امتلكن حق الاختيار وحق التدبير، بصفتهن الإنسانية، والمعرفية، لا الجنسية، كما نظل نردد، من فرط تخلفنا وتراجع وعينا، حتى ونحن في القرن الواحد والعشرين.














