الصيام واجهة ٱجتماعية

15 أبريل 2022
الصيام واجهة ٱجتماعية


يعن أول الأمر البعد الفردي للعبادات من حيث إنها علاقة بين العبد وربه فحسب، لكن إتيانها ينضوي تحت ظرفية زمانية وأحيانا مكانية تسري على الجماعة كلها، وبذلك تنتقل من عمودية التوجه السماوي، إلى أفقية التنظيم الجماعي، وهنا تحضر تجليات الجماعة، ويقوى الضمير الجمعي، فصوم الإثنين والخميس مثلا بشكل فردي خارج رمضان، يكتسي مشقة أكبر من صوم جماعي داخله موحد في الزمن، وبذلك ينتشل الصوم الجماعي الفرد من فردانية مكابدة، إلى سلوك جماعي، وبذلك تظهر فلسفة الصيام في كونها تقوي النزعة الجماعية، فزمن الصوم يوحد الجميع، رغم كونه سرا بين العبد وربه، لا يمكن لأحد أن يعبأ بالفرد إن هو أراد الانصرام عنه إلى الفطر عن طريق أكل خفي، وبذلك تجمع عبادة الصوم بين قرار فردي، و سلوك جماعي، كما يعيد شهر رمضان ترتيب الزمن، فالليل وقت تستمرئه الجماعة تبادلا للحديث، في حين يملؤه الأطفال بتراث من أنواع اللعب المتوارثة، وبذلك يتقوى الرابط الاجتماعي على الصعيد السيكولوجي، حيث يشعر الأفراد أنهم تحت سقف زمن واحد يمارس عليهم سلطته، فلا ينطلقون إلى الإفطار إلا في غروب شمس تغرب معها فردانية القرار، وعليه فإن مواعد اللقيا بين الناس تتغير، فموعد “بعد التراويح” يكاد يكون زمنا موحدا للقاءات، كما أن مائدة الإفطار تتربع على أوقات ٱسنقبال الضيوف وتبادل الزيارات، هكذا تقدم عبادة الصوم نفسها متحكمة في مجال الزمن الذي يتخذ بعدا سيكولوجيا وسوسيولوجيا يرخي بظلاله على الفرد والجماعة، حيث يفرز مجال الزمن الموحد ثقافة المجتمع، من حيث التصرفات والتمثلات وانواع الأطباق المعدة، وصنوف التجارة التي تنشأ بسبب زمن الصوم لتشق مسيرها نحو الرواج الذي لا يتحقق في زمن غيره، ومن جهة أخرى، ڤإن الجماعة أيضا تمارس سلطة على زمن الصوم، وذلك من خلال جملة من الأحكام والتمثلات، فإذا كان الصيام من مراميه تقوية الإرادة والتحكم في زمام النفس وترويضها، فإن المجتمع على خلاف ذلك يجعل منه زمنا باعثا للعنف، بل ويقدم أسبابا شرعية للسلوك الطائش القاسي، فعبارات عامية من قبيل “مرمضن” ،”مقطوع”…تتضمن شرعنة للسلوك العنيف وباعثة على تقبل هذا الفرد الذي مارس عليه زمن الصوم سلطة ضبطية جعلت منه ضحية يجب أن نتقبل أفعالها، وهكذا تصدر الجماعة قيما مضادة لأهداف العبادة، يمكن ٱعتبارها تمردا خفيا لاواعبا، مفاده أن الصوم يخرج الفرد عن طوره، وعلى الٱخر تقبل ردود أفعاله المشينة لأن صاحبها تحت ضغط زمن الصوم، ولعل السلوك الجماعي اللاواعي يجنح إلى تخفيف عبء زمن الصوم عن طريق متابعة الإنتاجات الفنية التي تكاد تتفق على وظيفة إضحاك الناس، حيث يشهد شهر الصيام زخما من الإصدارات التلفزية التي تحاول جاهدة ٱنتزاع الضحكات من المشاهدين ولو غصبا بمعونة مؤثرات صوتية، تدخل المتفرج في ضحك جماعي ليجد نفسه مبتسما مع جمهور ٱفتراضي.
طارق مرحوم

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق