لا يختلف ٱثنان في مدى قوة الفن في رسم معالم الحياة والتأثير على مجرياتها، خصوصا وأنه يتغذى من سلطة الإعلام التي تزيد من سطوته ونفوذه، فالرسالة الفنية حمالة قيم ومعان، ومثيرة لقضايا قد يأتلف الناس حولها أو يختلفون وهم يتبادلون الآراء على بساط النقاش، والتي في غالبيتها تجنح إلى ضيق التناول الإيديولوجي، والحسم في المسألة الفنية يقتضي التماهي مع قيم الأسرة والمدرسة والتصور القيمي للدولة، ومن هنا ينطلق الفن معالجا لواقع الأفراد والمجتمعات، في بعد وظيفي بنيوي تتفق معه كل مؤسسات وقطاعات البلد، حتى لا تصطدم الأسرة والمدرسة والإعلام والإنتاج الفني قيميا، ويعيش بذلك المجتمع تنافرا قيميا، تضيع من خلاله المجهودات والزمن في غير ذي جدوى.
إن ما ينتظره المشاهد من الإنتاج الفني هو تحصيل متعة تشفي تطلعه، حين ينطلق العمل الفني من واقعه وينتهي إليه، فيعبر عنه ولا يعبر إلى سواه، ولعل إطلالة سريعة على الإنتاج الفني في رمضان، تفرز ملاحظات أهمها: التكلف الكبير في الحيز المكاني الذي يستوعب أحداث المسلسل أو الفيلم، والذي غالبا ما يكون منتميا إلى صنف الفيلات والمنازل الفخمة بشكل مفرط، ليعن التساؤل، هل هذا هو المكان الطاغي الذي يحتضن أحداث المجتمع والأفراد وتفاعلاتهم في الحياة في غالبيتها؟، ثم هل يعبر الممثلون عن واقع التنوع الثقافي للناس؟ أين تتموقع الممثلة ذات البشرة السوداء أو السمراء في نسيج الموارد البشرية المعدة لتشخيص العمل الفني؟ أم إنها لم تتلق كثير ٱهتمام رغم كونها واقعا ثقافيا في المجتمع؟.
إن الرسالة الفنية تقتضي الانطلاق من واقع المجتمع كما هو، لا كما يتصوره كاتب السيناريو، لأن تجاهله يؤدي إلى إنتاج واقع ٱخر يجعل من المتابع المحلي متلبسا بلحظة ٱغتراب، حين ينصرم الإنتاج الفني عن الوضع الغالب ويسقط في تصور شاذ نادر للحياة الاجتماعية مقارنة مع السائد، ليفضي القليل إلى طاغ أكثر إيغالا وحضورا وكأنه هو الواقع اليومي، هذا على مستوى الشكل، أما على مستوى المضمون، فيبقى المأمول في الفن عموما، استنطاق الواقع بإكراهاته و ٱختلالاته، سعيا إلى تجاوزها عبر معبر الحلول الممكنة والتي يرسمها إبداع المخرج وكاتب السيناريو، وهنا لا بد من إعطاء الأولوية للمواضيع الملحة من أجل المعالجة والتناول الفني، خصوصا وأن الإنتاج الفني الرمضاني يتغذى من وقت الإفطار ليتربع على منصة ذروة المشاهدة والمتابعة الكبيرة، وخلاصة القول: إن الفن يجب أن يتماهى مع هموم المجتمع، ورسالة الأسرة، ودور المدرسة، وتصور الدولة، حتى لا نقع في تشظ قيمي يجعل من الناشئة في حيص بيص، لا تدري بأي تصور تشق طريقها نحو حياة ناجحة، لأن الفن ليس رسالة فارغة أو تعبيرا عالميا بريئا، وإنما تتخاطفه الانتماءات الثقافية لخدمة أهدافها، ولذلك نشأ في أوروبا فن البورجوازية والبلوريتاريا، في صراع فني شكل ٱمتدادا لذلك الاجتماعي والاقتصادي، وعلى المنوال نفسه تسربل الفن بالطائفية و مختلف الخصوصيات، وهذا ما يؤكد أنه رسالة يجب أن نختار مضمونها بعناية خدمة للوطن والمواطن.
طارق مرحوم
الفن من الواقعية إلى الرسالية

التعليقات تعليق واحد














ماشاء الله عليك و على تحليلك استاذي الفاضل طارق./صديقك الحسن إسحاق صالحي//