قانون المجلس الوطني للصحافة وسؤال اللحظة الدستورية : قراءة في السيناريوهات المحتملة

12 يناير 2026
قانون المجلس الوطني للصحافة وسؤال اللحظة الدستورية : قراءة في السيناريوهات المحتملة

       لم يعد الجدل الدائر حول “القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة ” موقوف التنفيذ ” نقاشا مهنيا و لا مجرد اختلاف في الرؤى حول نمط و كيفية تدبير هيئة تنظيمية مهنية من زاوية البعد المهني أو التنظيمي أو حتى  السياسي ، بل انتقل الى حدود التنظيم التشريعي لحرية الصحافة ، ومفهوم التنظيم الذاتي للمهنة و مدى انسجام الاختيارات القانونية المعتمدة مع روح الدستور 2011 مع اعلان فرق المعارضة بالبرلمان تفعيل مسطرة الإحالة على المحكمة الدستورية ،، مما يستوجب بداية التساؤل حول مدى  استثمار الزمن التشريعي في لحظته الطبيعية أم جرى استدعاء الرقابة الدستورية في لحظة استدراكية سياسية متأخرة ؟

       فهذا القانون لم يولد من فراغ ، ولم ينزل من السماء ..بل قطع مسار و مسطرة تشريعية طبيعية كاملة داخل البرلمان ,عرض على اللجان وخضع للنقاش ، ثم صودق عليه في الجلسات العامة لمجلسي البرلمان (النواب – المستشارين ) ومع ذلك لم تسجل معارضة عددية وازنة في لحظة التصويت الحاسمة داخل مجلس النواب (87 موافقون – 25 معارضون ) موضوع نواب الإحالة  ، وهو رقم يظل بعيد عن العتبة الدستورية المطلوبة لتفعيل الإحالة على المحكمة الدستورية 79 نائب ،و كذا بعيد عن التوقيعات المرفقة بقرار الاحالة للمعارضة  96 توقيع .ويزداد هذا المعطى دلالة اذ ما استحضرنا أن القانون صودق عليه بأغلبية برلمانية (87) تقل عددا عن عدد الموقعين بلائحة الاحالة (96) . ما يطرح تساؤلا مشروعا حول منطق التفاعل الزمني؟ ،،مما يكون التوصيف الأدق لهذه المرحلة  وما تمثله صراحة هو نموذج واقعي لهدر الزمن التشريعي.

     فجوهر النقاش لا يكمن في حق المعارضة لإحالة القانون و لا في مشروعية الإحالة ، بل في تأخر تفعيلها مقارنة بزمن النقاش الحقيقي و هو ما يطرح سؤالا أوسع حول فعالية المعارضة البرلمانية و حدود انتقالها من منطق صناعة التشريع الى منطق التعليق ومن منطق التعديل الشامل الواقعي   الى منطق التعديل الجزئي المحتمل   .

     كما أنه لا تقاس مبادرة المعارضة بسلامتها الشكلية و العددية الان بل بتوقيتها السياسي ، و بين رقابة تفعل و توجد في لحظتها الطبيعية و أخرى تستدعى في الوقت الميت ،حيث لم تستثمر المعارضة أدواتها السياسية و القانونية  في لحظتها الطبيعية ليعاد استدعاؤها في نهاية المسار حين تضيق هوامش التأثير ، هنا يتبين فارق جوهري في الاثر و الرسالة .

     وفي هذا السياق لا يمكن استبعاد من النقاش فرضية أن يكون قرار الاحالة جزءا من دينامية استدراكية متأخرة تهدف الى تعويض ضعف الحضور المعارض و هوانه داخل المسار التشريعي لولاية كاملة ؟ خاصة اننا أمام سياق سياسي عام حيث لم تعد تفصلنا عن الاستحقاقات الانتخابية سوى اقل من سنة ، وهو ما يجعل من اعادة التموضع السياسي و ابراز الهوية المعارضة عنصرين حاضرين بقوة في سلوك الفاعليين الحزبيين ، ففي مثل هذه اللحظات لا تستبعد المبادرات الرمزية ذات الكلفة القانونية المحدودة  و التي توظف لإعادة شحن الخطاب المعارض حتى و ان ظلت نتائجها العملية غير مضمونة ،خاصة أن هذه المعارضة نفسها سبق أن أظهرت صعوبة في توحيد مواقفها حول أدوات رقابية أخرى ذات طابع مجتمعي و قانوني و تنظيمي أكثر حضوة و حضور  و أكثر تأثير و تأثر  كما حدث في ملف لجنة تقصي الحقائق ، وهذا معطى يلقي بظلاله على اي مبادرة جديدة.. مما نطرح التساؤل حول قرار الاحالة الحالي هل يشكل فعلا مبادرة دستورية جادة أم أنها تندرج ضمن منطق التعبئة الحضورية الظرفية ..؟؟

     ولا يتعلق النقاش بالطعن في حق المعارضة في الاحالة و لا في مشروعية اللجوء الى الرقابة الدستورية باعتبارها الالية الاسمى لحسم التعارض المحتمل بين منطق التشريع و مقتضيات الدستور بل في مدى انسجام الخطاب مع العمل المؤسساتي و تطابق الفعل السياسي مع السلوك  الاخلاقي .

    من ثم فان قانون رقم 25-026 لا يفتح نقاش حول دستورية بعض مقتضياته بل يعيد طرح سؤال أعمق حول جدية المعارضة  و هل هناك معارضة بناء على فعل وطني تشريعي أو معارضة بناء على وقت سياسي و هوى شخصاني ؟؟.

   و على هذا الأساس فان استحضارنا للبعد السياسي للقراءة  السياسية للحظة الدستورية و إشكالية هدر الزمن التشريعي  لا يرمي بالضرورة إلى تقزيم دور المعارضة أو  التشكيك في مشروعيتها الدستورية بقدر ما نهدف إلى وضع الموضوع في سياقه الطبيعي لفهم أعمق  واشمل لمبادرة المعارضة  مما يصبح  السؤال الجوهري الآن و الذي لا ينتهي عند دوافع الإحالة أو لحظتها بل يبدأ عند تحليل ما يمكن أن تنتهي إليه فعليا المحكمة الدستورية ، ومن هنا يفرض البعد القانوني نفسه  للوقوف على السيناريوهات المحتملة لقرار المحكمة بعيدا عن المنطق السياسي و التموقع  المهني  وقريبا من منطق الرقابة الدستورية .

     ففي فرضية قبول الإحالة شكلا ، ينتقل النقاش حتما إلى مستوى تقدير القضاء الدستوري ، حيث تصبح المحكمة الدستورية الفاعل الحاسم في تحديد مال النص ، غير أن تدخل هذه المحكمة لا يتم وفق منطق واحد بل يظل مفتوح على عدة سيناريوهات يحددها توازن دقيق بين احترام سلطة المشرع و حماية المبادئ الدستورية .

        كما أن السيناريوهات  المحتملة  نفسها ليست على الدرجة نفسها من الترجيح ، خاصة بطبيعة مسار الإحالة و الدفوع المثارة خاصة  المواد 5ـ 9ـ 10ـ 13ـ 23ـ 44ـ 45- 55-93 من القانون المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة موضوع الاحالة تفضي  – حسب تقديرنا –  إلى ترتيب هذه السيناريوهات بحسب واقعيتها و إمكانية تحققها بما يعكس منطق المحكمة أكثر مما يعكس منطق التوقع السياسي  ، مما يبرز السيناريو التصريح بمطابقة القانون للدستور كاحتمال أرجح يليه المطابقة المشروطة بتأويل دستوري يضبط حدود التطبيق ، فيما يظل السيناريو بعدم الدستورية الجزئية احتمالا قائما لكنه أقل ترجيحا واستثناءا بالنظر إلى طبيعة الإحالة و المواد المستند عليها .

   أولا السيناريو الأرجح – التصريح بمطابقة القانون للدستور :

  من خلال القراءة المتأنية لرسالة الإحالة يتضح أن أغلب الدفوع المثارة المستندة على  المواد 5-139 -23 -55 تبقى دفوع ضعيفة باعتبار أن الفصل 28 من الدستور اقر بالتنظيم الذاتي لكنه لم يفرض نموذج محدد ، وكما أن المشرع الدستوري قد خول اعادة التنظيم و هندسة الهيئة للمشرع ،ومنه يكون التنظيم الذاتي اختيارا تشريعيا مشروعا  ،كما أن تنظيم الهيئات المهنية و تركيبتها و معايير تمثيليتها ينظر إليه عادة باعتباره ضمن الهامش التقديري للمشرع ما لم يثبت إقصاء قانوني مباشر و صريح من جهة أولى ، و من جهة ثانية ما لم يثبت المساس الواضح بجوهر مبدأ دستوري .

     خاصة أن الأساس القانوني داخل النص نفسه  يتمثل في المقتضيات الافتتاحية (المادة 2) التي تعرف المجلس الوطني للصحافة كشخصية اعتبارية تتمتع بالاستقلال المالي و الإداري  ويعهد إليه الحرص على صيانة المبادئ التي يقوم عليها شرف المهنة و على التقيد بميثاق أخلاقيات المهنة، و القوانين و ضمان حرية الصحافة

   و تطوير الحكامة الذاتية لقطاع الصحافة و النشر بكيفية مستقلة و على أسس ديمقراطية .. وهذه كلها  أسس تقدم بصيغة عامة و مجردة و تحيل على مقاصد دستورية واضحة ما يمنح النص حصانة مبدئية أمام الرقابة الدستورية .

        بالإضافة إلى أن إسناد المشرع لمهمة دراسة مشاريع قوانين  تهم قطاع الصحافة (المادة 55) ، فهذا الاختصاص لا ينقل سلطة التشريع و لا يحل المجلس محل البرلمان ـ وإنما هذه الوظيفة محصورة في الاستشارة  و الدراسة دون مساس بجوهر مبدأ فصل السلط ، ويبقى هذا الدفع من أغرب و أضعف الدفوع من جميع الزوايا.

          ولهذا  قد ترى المحكمة أن تنظيم المجلس الوطني للصحافة يدخل ضمن مقتضيات التنظيم الذاتي هذا من جهة أولى ، و من جهة ثانية أن الاختيارات المتعلقة بالتركيبة و آليات التمثيل و شروط الترشيح و مبادئ التأطير  و بمسطرة التأديب تظل اختيارات تشريعية لا ترقى في حذ ذاتها إلى مستوى الخرق الدستوري .

     ويظل  هذا السيناريو هو الأرجح ،بأن تقضي المحكمة  الدستورية  إن القانون مطابق للدستور انطلاقا من مبدأ مستقر في الاجتهاد الدستوري مفاده أن الأصل في التشريع هو المشروعية و أن الرقابة الدستورية لا تتحول الى رقابة على الملاءمة أو الحكمة التشريعية  .

  ثانيا : سيناريو المطابقة مع التفسير   :

       نرى أن  المادة 93  تعد المقتضى الأبرز في تقديرنا ضمن هذا السيناريو ، بالنظر الى ما تثيره من اشكال ظاهري فقط مرتبط بميدأ الحياد ، وهي حين تجمع بين صفة رئيس لجنة الأخلاقيات _ المشرف على المسطرة الابتدائية _ وعضويتة في لجنة الاستئناف التأديبية .

      فبداية ،لابد ان نوضح مسألة هامة وهي أن المقتضى في حد ذاته لا يخالف الدستور ، بالنظر الى الطبيعة المهنية غير القضائية للمجلس ،وذلك من خلال التمييز بين الوظيفة التنظيمية أو التأطيرية داخل الهيئات المهنية   و بين الوظيفة القضائية بالمعنى الدستوري ، فالمجالس المهنية بما فيها المجلس الوطني للصحافة ، لا تعد هيئات قضائية ، وانما هيئات تنظيم ذاتي ذات طابع مهني ،حتى وان مارست اختصاصات تأديبية ، وبالتالي فان ضمانات الفصل الصارم بين درجات التقاضي كما هي مفهومة في القضاء لا تسقط  على الهيئات المهنية ..أي أن دورها ينحصر في التأديب المهني و ليس التقاضي القضائي ، كما أن قرار اللجنة الاستئنافية يتخذ بشكل جماعي وتخضع مداولاته لقواعد الأغلبية .

     والأهم من كل ذلك أن قرارات المجلس الوطني للصحافة بما فيها التأديبية تبقى خاضعة للرقابة القضائية أمام القضاء الإداري ، وهو ما يشكل في منطق القضاء الدستوري ضمانة لاحقة كافية لاحترام الحق في المحاكمة العادلة .

     أي أن الأساس هو المطابقة للدستور من خلال هذه القراءة ، لـــــكـــن يمكن أن تنسجم صياغة المادة وطبيعة  مسطرة التأديب ،وفق ما جاء في دفوع رسالة الإحالة حيث تتحدث عن تخوف و تواجد ‘ خطر تطبيق ” أكثر من “منع نص صريح ”  , 

        ففي هذا السيناريو قد ترى المحكمة الدستورية أن النص في حد ذاته لا يخالف الدستور لكن تطبيقه قد يفضي الى نتائج تمس بخرق محتمل لمبدأ الحياد و ضمانات التأديب العادل  ،فتقر مطابقة القانون مع فرض تفسير دستوري ملزم لهذا المقتضى وبالتالي يقيد كيفية تنزيله عمليا.

     وأقصى ما يمكن أن تتجه المحكمة لإقراره في هذا الدفع هو التفسير المقيد برفع الشبهة دون اسقاط النص ، باعتبار أن احترام مبدأ الحياد المستفاد من الفصول الدستورية المتعلقة بالمحاكمة العادلة يقتضي تفسير هذا المقتضى على نحو : لايجوز لمن شارك فعليا في البت الابتدائي أن يشارك في المداولة أو القرار الاستئنافي .

  ثالثا : السيناريو الاستثنائي  : عدم المطابقة  الجزئية:

     يظل هذا السيناريو الأضعف احتمالا الا أنه يمكن أن يثار بخصوص المادة 45  على وجه الخصوص ، وذلك اذا ما اعتبرت المحكمة الدستورية أن الجمع بين رقم المعاملات و عدد المستخدمين رغم الضمانات المصاحبة يفضي حتما الى تمييز غير مبرر يمس جوهر مبدأ المساواة .

   غير أن تعليل رسالة الإحالة في صيغته الحالية لا يبدو كافيا لتأسيس هذا المال ، لكونه لا يثبت قيام اقصاء تشريعي صريح و لا يبين انعدام اليات التوازن داخل النص و هو ما يجعل فرضية الإلغاء الجزئي ضعيفة الاحتمال ,باعتبار أن المادة تطرح اشكالا مركبا  و في منطقة رمادية يمكن إعطائها قراءات مختلفة و هي في نظرنا جوهر الإحالة .

فمن جهة أولى أن المادة تعتمد معايير رقم المعاملات و عدد المستخدمين وهو ما قد يفسر كتمييز إيجابي مشروع يعكس الوزن الاقتصادي و المؤسساتي للناشرين .

   كما يمكن أن تفسر على اعتبار أن التمييز المبني على معايير موضوعية و مهنية لا يعد خرقا لمبدأ المساواة  متى كان يهدف الى تحقيق تمثيلية حقيقية داخل هيئة التنظيم الذاتي .

   وأهم ضابط قوي لهذه المادة و اعتبارها مطابقة للدستور هو اعتماد المشرع سقف أقصى للحصص التمثيلية في 20 حصة لكل ناشر مما يشكل الية كابحة لاي هيمنة محتملة أو تخوف مبالغ فيه ، باعتبار أن تحديد سقف محدد في 20 حصة كاحد أقصى يعيد التوازن داخل المنظومة ويفقد لنظرية الهيمنة جديتها .

    كما أن اعتماد عدد المستخدمين دائما ما يفسر على أنه تمييز إيجابي يروم حماية الشغل و استدامة المقاولة الصحفية ، خاصة أن المشرع ميز بين عدد الصحفيين المهنيين بصفة خاصة و العدد الأدنى لاعتبار المؤسسة ناشرة ، و بين عدد المستخدمين بصفة عامة .

   و كخلاصة تحليلية لهذا التوجه : فانه من حيث المبدأ لا يوجد خلاف وعلى مختلف المستويات في أن تنظيم التمثيلية يدخل ضمن السلطة التقديرية للمشرع ، كما أن ربطها بعناصر مهنية مثل شرط وضع حد أدنى من عدد الصحفيين المهنيين أو اعتبار عدد المستخدمين في التصنيف يدخل ضمن التمييز الإيجابي الذي يشجع التشغيل     و الاستقرار و الجدية و الفعالية داخل المقاولات الإعلامية وبالتالي اكتسابها لمفهوم و تعريف ” المؤسسة الإعلامية ” خاصة أن المشرع اقر أن تكون المؤسسة الناشرة في اطار شركة وبالتالي فالتوجه العام للمشرع هو المزيد من الفعالية وضبط القطاع وتجويده وتطويره ،، خاصة أن الاحصائيات تبرز أن أكثر من 50  في المائة من المقاولات الصحفية لا تتوفر على الحد الأدنى من الصحفيين  : 4  صحفيين ، وأن أكثر من 150  مقاولة صحفية لها فقط صحفي واحد من مجموع 554  مقاولة صحفية بالمغرب ، فهذه الاحصائيات للمجلس الوطني للصحافة لسنة 2024  توضح حجم الخلل الشكلي و البنيوي داخل منظومة الاعلام و الصحافة بالمغرب في غياب تحديد التعريف للمؤسسة الصحفية،ناهيك عن المئات من الحسابات و الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي التي تقدم الاخبار كجرائد الكترونية خارج اطار القانون الامر الذي جعل المشرع يختار الاشتغال بمنطق إصلاحي متدرج و يتجه في اطار مشروع كامل متكامل يبدأ بقانون المجلس الوطني للصحافة كقاطرة المأسسة التي ستكون المرجع لباقي عربات المنظومة القانونية  المؤطرة للمهنة ،وفي مقترحنا هو خلق مدونة  خاصة بالصحافة و النشر، وبالتالي فانه لا يفهم القانون بمعزل عن مشروع أشمل يعاد من خلاله تحديد معايير الاعتراف بالمقاولة الصحفية باعتباره مدخلا لضبط الحقل الإعلامي و إعادة هيكلته ,

      ومن جهة ثانية : يعد ادراج رقم المعاملات ضمن معايير التمثيلية العنصر الأكثر حساسية في هذه المادة من منظور الرقابة الدستورية ، وبالتالي فان المحكمة يمكن أن تنظر له في اطار ضيق على أساس يمكن أن يفضي عمليا عند اقترانه بباقي المعايير الى تكريس تفوق بنيوي لفئات بعينها ويجعل الولوج الى التمثيلية مرتبطا بالقدرة المالية أكثر من الوجود المهني الفعلي ، و هنا ينتقل النقاش من مجرد تنظيم ذاتي الى إمكانية مساءلة دستورية تمس جوهر التعددية و تكافئ الفرص .

    كما قد ينظر الى أن المشرع بالرغم من انه استبق هذا الخطر كما سبق أن وضحنا و قام بتحديد سقف أقصى للحصص التمثيلية في حدود عشرين حصة لكل ناشر ، غير أن السؤال الذي يظل مطروحا هو ما اذا كان السقف يشكل ضمانة دستورية كافية أم أنه مجرد كابح شكلي لا يعالج الخلل اذا كان كامن في شروط احتساب الحصص نفسها ، باعتبار ان الدستور لا يحمي فقط النتائج النهائية بل يحمي أيضا شروط الولوج المتكافيء اليها ،

    وفي اطار هذا التوجه. تكون المحكمة الدستورية أمام معادلة دقيقة ، فهي من جهة لا يمكن لها أن تتدخل في ملاءمة الاختيارات التشريعية ، لكنها ومن جهة أخرى لا تغض الطرف عن الأثر البنيوي غير المتناسب لاي معيار و لو كان مبررا في ظاهره ،وعلى هذا الأساس تبرز المادة 45  باعتبارها المقتضى الأكثر قابلية لعدم المطابقة الجزئية ، و لا تقضي باسقاطها بل لاعادة ضبطها في حدود المعيار الاقتصادي أو طريقة احتسابه .

  وفي هذه الحالة قد تقضي المحكمة  : بعدم مطابقة جزئية للمادة في حدود المعيار الاقتصادي المجرد ، مع الإبقاء على باقي المعايير المهنية ” المستخدمين ” باعتبارها أكثر اتصالا بجوهر المهنة .

وعلى سبيل الختم :

            تظهر قراءة السيناريوهات المحتملة أن إحالة مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة الى المحكمة الدستورية ،وان كانت مشروعة دستوريا ، فان حمولتها السياسية تبدو أكبر من رهاناتها الدستورية ، فالارجح أن تنهي الرقابة الى تأكيد مطابقة النص للدستور مع إمكانية جد محدودة تسجيل تحفظات تفسيرية ،أو في حالة الاستثناء عدم مطابقة معيار واحد فقط ،و كل ذلك يبقى دون المساس بجوهر القانون .

      وهو ما يعيد طرح سؤال نفسه : هل نحن أمام لحظة دستورية حقيقية أم أمام توظيف سياسي متأخر متهم بهدر الزمن التشريعي لأليات الرقابة الدستورية في سياق زمني انتخابي و طغيان الهوى الشخصي ؟

      سؤال يبقى قابل للنقاش ، لكنه لا يغير من حقيقة أساسية مفادها أن المحكمة الدستورية في نهاية المطاف ستحكم بمنطق الدستور  لا بمنطق  اللحظة السياسية .

ذ  : محفوظ كيطوني

قانون المجلس الوطني للصحافة 

وسؤال اللحظة الدستورية :

 قراءة في السيناريوهات المحتملة

20minutes.ma

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

باستمراركم في تصفح هذا الموقع، نعتبر أنكم موافقون على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" أو التقنيات الأخرى المماثلة لها والتي تتيح قياس نسب المتابعة وتقترح عليكم خاصيات تشغيل ذات صلة بمواقع التواصل الاجتماعي أو محتويات أخرى أو إعلانات قائمة على خياراتكم الشخصية

موافق