الكل أجمع على أن الخطاب الملكي السامي للأمة يوم الاحد 03 يناير 2010 ،حدثا تاريخيا مهما في المسار العام للمملكة المغربية باعلان جلالته عن تنصيب اللجنة الاستشارية للجهوية ،في اطار تفعيل مفهوم الجهوية الموسعة المتقدمة على أرض الواقع .
وأهم المرتكزات الاساسية لهذا الورش الهيكلي الكبير ،هو بناء حوار فاعل ومنتج مع كل الفعاليات المعنية والمؤهلة واشراك كل القوى الحية للأمة في بلورة تصور مغربي أصيل للجهوية .
فالجهوية بهذا المفهوم الملكي السامي لا بد أن تكون مرتبطة بالهوية الوطنية ،معتقدا وأرضا وفكرا من خلال التأكيد على التميز المغربي المتنوع الروافد الثقافية والمجالية المنصهرة في الهوية الوطنية الموحدة، دين اسلامي ولغة رسمية عربية تحت قيادة ملكية شريفة . ولابد أن تؤسس هذه الجهوية على مثاق الالتزام بالتضامن ينطلق من مؤهلات الجهة على مستوى الاستثمار ليصب في مفهوم تلاحم الجهات وتعايشها تنمويا واقتصاديا وثقافيا .ولتحقيق كل هذا شكلا ومضمونا يجب انبثاق مجالس ديمقراطية لضمان نخب مؤهلة لجهوية مبنية على الحكامة الترابية الجيدة
فبهذا الخطاب التاريخي الصريح ،اذ نؤسس لمرحلة جديدة متقدمة فكريا ومخططة استراتيجيا والاهم أنها محصنة بتوابث الامة المغربية ومقدساتها . فكلنا شركاء بان ينتصر الجميع للوطن ولتوابثه بتبني سياسة جهوية تستطيع أن تكون عاملا هاما للتنمية المستدامة في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من جهة ،ومن جهة أخرى بتمكين المواطنين من تنظيم وتدبير شؤونهم المحلية والجهوية في اطار استقلال ذاتي واداري تشاركي ،والحرص على الاندماج الاجتماعي والتضامن المجتمعي .
فارساء الممارسة الديمقراطية التشاركية لن تتأتى الا بجعل الكل والجميع يشارك داخل الهدف الوحيد الذي هو مغرب الغد – مغرب الحداثة والديمقراطية والتنمية في ظل الثوابت والمقدسات . وهذا هو المدخل المفروض والضروري لأي اصلاح أو تبني أية مقاربة أو وضع أي برنامج يخص المغرب ويستهدف شعب المغرب – وهذه رسالة واضحة الدلالة لكل من كان ينهق الى تغيير أوالمس بمقدسات المملكة الشريفة سواء تعلق الامر بوحدة الوطن أو باللغة الرسمية أو بالدين الاسلامي. لذا يجب علينا ،كمواطنين و أحزاب ومؤسسات وهيئات المجتمع المدني – وكل مثقف ومفكر ومواطن- .. و كل القوى الفاعلة .أن نعي بجلاء التعليمات السامية، بأن نرقى في تفكيرنا وأن نساير وتيرة التنمية والاصلاحات الكبرى وأن ننخرط في الاوراش المفتوحة التي أعلن عنها صاحب الجلالة وأن نبدع من داخل الهوية المغربية ،وأن نشارك ونفعل المسار التنموي الهادف .
لكون الديمقراطية المحلية والجهوية والانتخابات والجاماعات وغيرها ليست هدفا في حد ذاتها بل هي وسيلة لدمقرطة السلطة ورفع تحدي التخلف والية للاندماج في المجتمع وخلق قاعدة لنخبة متشبتة بالقيم الاخلاقية والمقدسات الوطنية تؤمن بالديمقراطية والمشاركة والمصلحة العامة . فكلنا شركاء.
كلنا شركاء في الاستقامة القانونية للجهوية التشاركية لتكون هناك مقتضيات قانونية واضحة وزجرية وأن يتم تنفيذها على الجميع على سبيل المساواة مع ضرورة اعتماد الجماعات على مساطر سلسة وواضحة في اتخاذ القرارات واليات المراقبة الداخلية والتدقيق والاستشارة القانونية ،مع اعطاء صلاحيات واسعة للمؤسسات الجهوية : المجلس الجماعي والادارة المحلية .والتزام الدولة للحياد التام في العمليات الانتخابية .
كلنا شركاء في الاستقامة الادارية لتنظيم اداري جهوي ومحلي يسير على منهج الانتقال من منطق الوصاية الى منطق المواكبة الجيدة .ومن تنظيم تقليدي بيروقراطي الى تنظيم تشاركي حديث يفعل الحكامة الترابية الجيدة و يراعي اختلاف المناطق والجهات وخصوصيات كل واحدة على حدة .وبالتالي يصبح التنظيم الجهوي أحد الاساليب لادارة المرافق العامة لتلبية حاجيات الاشخاص -معنوية ،وطبيعية – بالشكل الذي يتلائم ورغباتهم وخصوصياتهم بفعالية وكفاءة وأخلاق ومسؤولية ،وبذلك يكون القرار قريب من مكان تنفيذه .
كلنا شركاء في الاستقامة السياسية لضمان انتخابات حرة ونزيهة في اطار أحزاب قوية بأفكارها وبغيرتها على توابت الامة، ذات برامج وقدرة اقتراحية فاعلة ،و بروز كتل سياسية راقية في تعاملها مع بعضها البعض ،قريبة من المواطنين ،تنتج نخب كفوءة وذات أخلاق عالية وغيرة وطنية .وتتخذ المؤسسة الحزبية كمصدر لقواها وليس فقط كمطية للمتاجرة في التزكية .وتكون هذه الاحزاب شغلها الشاغل رفع نسبة المشاركة واعمال مبدأ التداول على السلطة بكل شفافية وتشارك ،وبذلك نرقى الى فعل سياسي يتوافق و مفهوم الجهوية الموسعة .
كلنا شركاء في تحديث الموارد البشرية وذلك من خلال تمكين الجهات من تأطير أفضل للكفاءات وخلق اليات التحفيز والتكوين ،حتى تمارس الطقات المحلية المهام المنوطة بها في أحسن الظروف ،وكذا ايلاء عناية خاصة للطاقم والاطر التي تتولى المسؤولية في المناصب العليا في تدبير الجهة .
وأمام هذا التحول والتقدم لابد من رفع مستوى العضوية في الجماعات المحلية والجهات وخاصة رفع مستوى رئيس الجماعة من مستوى الشهادة الابتدائية التي تعتبر عار على احزابنا التي ظل أغلبها يساند هذا التخلف الى الاجازة على الاقل .اذ لا يمكن وضع مستقبل جهة أو جماعة قروية أو حضرية في يد شخص أمي ؟.
كلنا شركاء في محاسبة ومسائلة و متابعة منتخبينا وتقييم أداء جهويتنا وجماعاتنا لضمان تسيير ناجع وتدبيرهادف عبر تعزيز أليات الشفافية . كلنا شركاء في الاستقامة الاعلامية ( قنوات ،جرائد ،اداعات ..) بخلق اعلام قوي ومحترف جهويا ووطنيا يعيد الثقة الى الشعب المغربي والساكنة المحلية عبر الاهتمام بمشاكلها ويتناول قضاياها ويراعي خصوصياتها ويساهم في النهوض بالتنمية الجهوية المندمجة وبالتالي يرسخ قيم المواطنة الحقة ويسعى للحفاظ على الهوية المغربية ووحدة الوطنية .
كلنا شركاء في الوطن بضرورة اشراك ومشاركة كل الاطراف والفعاليات في تسيير الشأن العام في اطار التوجهات الكبرى للمشروع المجتمعي المتكامل والقائم على الوفاق والعدل والتشبت بالدين والوطن والاعتماد المتبادل والتشارك بين الاشخاص والمؤسسات والجماعات والجهات المتعددة في المغرب الواحد والموحد ،ترابيا ودينيا ولغة تحت القيادة الملكية الشريفة .لذلك كلنا شركاء في الجهوية التشاركية …..
فهذا ما طالبنا به منذ مأسسة الجهوية المتقدمة قبل أن تتحول الى ركام بفعل عوامل قيدت تفعيلها بضعف الفاعل الحزبي وجمود العقل الانتخابي ،وبالرغم من التغييرات التي جاءت بها الوثيقة الدستورية التي قدمت في سياق اقليمي و في سياق ضغط مجتمعي وما اعطته من مساحات جديدة للفاعليين السياسيين و اعادة توزيع العلاقات ،الا ان الضعف و الجمود للفاعل الحزبي و التنظيم الحزبي السياسي وقصور المجتمع المدني جعل الدولة تعود للضبط و التحكم في العملية التنموية و الاجتماعية و حتى الانتخابية ، وهو الامر الذي أكدته الحركات الاحتجاجية كظاهرة جديدة في غياب وسيط فعلي بين المواطن و المؤسسات أو بالمفهوم الدقيق مع الدولة .
وأن هذا ما جعل الدولة في مرحلة أحست بالمواجهة المباشرة مع المطالب الاجتماعية المتزايدة و التي بالرغم من ضبطها و التحكم فيها الا انها تظل مؤقتة نتيجة ترهل البنيات الاساسية التقليدية للدولة و صعوبة الاحاطة و الجواب على أسئلة و انتظارات المواطن الذي أصبح مجاله للتعبير أوسع وأعم بتطور وسائل التواصل و التقنيات الحديثة و سرعة تداول المعلومة و الخبر .
و هذا ما جعل الدولة في ثياب وزارة الداخلية تتجه الى اعادة قراءة ثانية واقعيا في مشروع الجهوية الموسعة عبر المناظرة الوطنية الاولى للجهوية المتقدمة بعد قرابة عشر سنوات من تشييد أسسها ،و التي بعد قراءة توصياتها و التي يمكن أن نقول انها لم ترقى ولو بنسبة الثلث بما جاء به الخطاب الملكي في 3 يناير 2010… مما نكون أمام تقدم الى الوراء بالمقارنة ما بين اسس للجهوية و ما بين توصيات هذه المناظرة ،،وربما كان أهم مدخل تم تحديده في استراتيجية الجهوية في خطاب صاحب الجلالة هو مدخل الاشراك و المشاركة ، الاشراك وفق معايير اجتماعية و فكرية و ثقافية و علمية وكذا اشراك وفق مناهج وتصورات و تجارب ،،،
د / محفوظ كيطوني















