في خطوة مثيرة للجدل، فجرت الهيئات الممثلة لمؤسسات التعليم المدرسي الخصوصي بالمغرب موجة من الغضب والاستنكار بعد الإعلان عن مشروع مرسوم يلزم هذه المؤسسات بتقديم خدماتها مجانا بنسبة لا تقل عن 15% من طاقتها الاستيعابية لفائدة أبناء الأسر المعوزة والأشخاص في وضعية إعاقة، دون أي سند قانوني واضح أو نقاش مؤسساتي مسبق.

الهيئات الثلاث، وهي اتحاد التعليم والتكوين الحر بالمغرب ورابطة التعليم الخاص بالمغرب، والفيدرالية الوطنية للتعليم الخاص، أصدرت بيانا شديد اللهجة يوم 2 يوليوز 2025، اعتبرت فيه هذا الإجراء مسا صريحا بمبدأ المساواة أمام القانون، وتعديا على حرية تدبير المؤسسات التربوية الخاصة، بل وفرضا لتضامن اجتماعي إجباري لا يستقيم مع طبيعة هذه المؤسسات كمقاولات ذات طابع خاص تعمل في إطار تشريعات واضحة وتتحمل مسؤولياتها كاملة دون دعم من الدولة.
البيان انتقد بشدة ما اعتبره خرقا صريحا للقانون الإطار 51.17، وخاصة المادة 14 والمادة 44 منه، واللتين تنصان على تشجيع مساهمة القطاع الخاص في تعميم التعليم، لا على إلزامه بتكاليف اجتماعية لم يكن طرفا في تحديدها أو مناقشتها.
كما عبرت الهيئات الموقعة عن استغرابها من تمرير هذا المرسوم في غياب تام لأي تشاور، رغم أن الدستور والقوانين التنظيمية تلزم السلطات العمومية بإشراك المعنيين بالأمر، خصوصا في القضايا ذات الأثر المالي والتنظيمي الكبير.
الأسئلة التي يطرحها هذا المستجد عديدة وحرجة: كيف يمكن للدولة أن تفرض التزامات اجتماعية بهذا الحجم على مؤسسات تشتغل بمواردها الذاتية؟ ما مصير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، خاصة في المناطق القروية والهامشية، التي بالكاد تضمن استمراريتها؟ لماذا يتم تغييب الهيئات الممثلة للقطاع، في حين يجري التغني يوميا بمقاربة التشاركية والحكامة الجيدة؟ هل تحول التعليم الخصوصي إلى الحلقة الأضعف في منظومة التربية والتكوين، التي تطلب منها التضحية دون مقابل، في كل مرة يطرح فيها سؤال من يؤدي فاتورة الإصلاح؟
البيان لم يقف عند حدود الرفض، بل دعا بشكل صريح إلى تجميد أي تنزيل لتعليمات إلزامية بهذا الشأن، وفتح حوار جدي ومسؤول يراعي خصوصيات القطاع، ويضمن التوازن بين أدواره التربوية والاجتماعية، دون المساس بجوهر استقلاليته القانونية والمالية.
كما أكدت الهيئات استعدادها لاتخاذ جميع التدابير القانونية والمؤسساتية المشروعة دفاعا عن القطاع، محملة الجهات الوصية مسؤولية ما قد يترتب عن تمرير هذا المشروع من توتر واختلالات داخل منظومة التعليم برمتها.
إن ما يجري اليوم يعكس انزلاقا خطيرا في تدبير العلاقة مع أحد الفاعلين الأساسيين في مجال التربية، فبدل الاعتراف بدور التعليم الخصوصي في دعم المدرسة المغربية وتقليص الضغط على المؤسسات العمومية، يتم التعامل معه كطرف ثانوي يمكن إلزامه بأي قرار تحت غطاء المصلحة العامة. وهذا ما يعيدنا إلى سؤال الجذور: هل نريد تعليما خصوصيا شريكا كامل الأهلية؟ أم مجرد أداة لحل مشكلات المنظومة، عند الحاجة فقط، وبمنطق الدفع مقابل الصمت؟
القطاع ينتظر إجابة صريحة من الحكومة، والهيئات الموقعة على البيان أوضحت أن رهانها ليس فقط على ضمان حقوقها، بل على صيانة مناخ الثقة بين المؤسسات والدولة.
فهل من مجيب قبل أن تنفجر أزمة قد تعصف بتوازن هشّ في منظومة تعليمية تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى شراكة حقيقية، لا إلى قرارات فوقية؟
عادل بوحجاري: 20 دقيقة













